دائماً ما يكون هناك صراع خفي أو علني على شارة القيادة في المنتخبات الوطنية، وهو صراع يتجدد كلما غاب أو اعتزل قائد لمنتخب ما، حيث ينتظر هذه الفرصة اللاعبون الآخرون لكي يثبتوا أنهم جاهزون لحمل هذا الشرف المتمثل بشارة توضع على زند أحدهم.

ويرى بعض اللاعبين أن قائد المنتخب هو الشخص الذي يمثل أمة بأكملها، وتحديداً في أهم اللحظات التاريخية التي ترسخ الى الأبد، مثل لحظة تسلم كأس بطولة ما أو تقديمه لاحقاً الى الشخصيات القيادية في البلاد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن كرة القدم باتت وسيلة من الوسائل التي تؤكد الهوية القومية لبعض الشعوب، وقد بيَّنت هذه اللعبة كيف تقوم بإظهار المشاعر القومية لدى اللاعبين الذين يرأسهم القائد الذي سيسكن وجدان الشعب بعد تمثيله وطنه. هو قد يرى نفسه في المكان الذي يقف فيه قريباً من منصب سفراء البلاد بالحد الأدنى. طبعاً قائد المنتخب أهم من هذا المنصب، إذ تصل صورته الى شتى أرجاء المعمورة ويصبح اسمه أكبر من اسم أي سفير.
منذ أيام قليلة، عادت المشاكل داخل الغرف المغلقة للمنتخب البرازيلي، وخرجت الى العلن بعدما اتخذ المدرب دونغا قراراً بتعيين نيمار (24 عاماً) قائداً للمنتخب بدلاً من القائد السابق تياغو سيلفا (30 عاماً). حصل ذلك حتى دون أخذ رأي الأخير أو إخباره بالأمر، فقال سيلفا: "يبدو أنك تفقد مكانك. هذا يشبه انتزاع شيء مني". لا تبدو هذه العبارة عابرة على الإطلاق لما تعنيه الشارة لأي قائد منتخب. ويعقّب سيلفا بالقول إن علاقته بالمدرب لا تزال جيدة. أما دونغا فقد كان صريحاً جداً، مؤكداً أن من أهدافه البحث عن قادة جدد لمنتخبه.
هو يعني قادة جدداً لا يهربون ولا يجلسون جانباً عند اللحظة الأصعب في المواجهة. قادة جدد لا يقفون في الخلف طالبين من المدرب أن يقدّم عليهم باقي زملائهم لتسديد ركلات الترجيح، بدل أن يكون هذا القائد هو المقدام الأول. هذا ما أعيب سيلفا عليه، وهو الذي حمل الشارة من سنة 2011 حتى مونديال 2014. نال الكثير من المديح، وفجأة في كأس العالم الأخيرة، وفي لحظة بداية ركلات الترجيح ضد كولومبيا، ابتعد عن بقية اللاعبين وبكى قبل أن يطلق الحكم صافرة بداية تنفيذ الركلات.


في الأرجنتين بقي ماسكيرانو القائد الحقيقي رغم حمل ميسي للشارة


بعدها كشفت وسائل الإعلام أنه طلب أن يكون آخر لاعب يقوم بالتسديد، وحتى بعد الحارس جوليو سيزار. ولعل هذه المباراة كانت النقطة السوداء في مسيرته كقائد. وعلى هذا الأساس اتخذ دونغا قراراً بإعفائه من هذه المهمة التي أوكلها إليه المدرب السابق لويز فيليب سكولاري. أصيب سيلفا وغاب عن أغلب المباريات تحت قيادة دونغا، ورغم عودته للتشكيلة إلا أنه استبعد ضد تركيا (4-0).
وفي سيناريو مشابه، فإن تجربة الأرجنتين الأخيرة أثبتت فشلها، إذ لم يكن إسناد المهمة الى نجم المنتخب ليونيل ميسي مثالياً، وهو الذي لا يملك الخبرة القيادية. سحب القيّمون شارة الكابتن من خافيير ماسكيرانو وسلموها الى ميسي. الصورة الأخيرة في نهائي المونديال كانت واضحة وفسرت الكثير. وقف ماسكيرانو وسط اللاعبين يرشدهم ويقودهم للتركيز قبل بداية الوقت الإضافي من المباراة والحفاظ على هدفهم أي التتويج باللقب. وفي هذا الوقت، كان المسمى قائداً يقف وحيداً خارج المجموعة، تظهر على وجهه علامات اليأس والتعب. أساساً أخذ إشارة القيادة لنجوميته فقط. لم يكن يتمتع بالنضج والحزم، ولا يبدو أنه كان يتمتع بالكفاءة الإدارية لهذه المهمة.
هذه أبرز الحوادث التي حصلت أخيراً. أشهرها أيضاً، تسلّم باستيان شفاينشتايغر دفة المنتخب الألماني بعد الاعتزال المفاجئ لفيليب لام إثر قيادته منتخب بلاده الى إحراز كأس العالم للمرة الرابعة في تاريخه. صفات لام القيادية مشهود لها من الجميع، المدرب والزملاء والجماهير. كان بديلاً لميكايل بالاك، والمشكلة التي حصلت عند تعيينه بدل سلفه أخذت ضجة مثل تلك التي تحصل الآن بين نيمار وسيلفا. غير معلوم الى الآن إن كانت تجربة نيمار ستنجح، فإيجاد بديل لسيلفا، كلاعب وكشخص وكقائد، رغم هفوته الأخيرة لن يكون سهلاً.