تخيّلوا برشلونة من دون ليونيل ميسي. تخيّلوا لاعباً آخر يرتدي القميص الرقم 10 في الفريق الكاتالوني. تخيّلوا ميسي يرتدي قميصاً غير ذاك الذي أصبح مرادفاً لاسمه.

ميسي الذي قال عنه يوماً مدربه السابق جوسيب غوارديولا إنه ولد ليلعب مع برشلونة، هو كذلك فعلاً، إذ إن النجم الأرجنتيني لم يعرف يوماً فريقاً آخر، ولم يفكر يوماً بالدفاع عن ألوان فريقٍ آخر. هو ليس الألماني برند شوستر أو الدنماركي ميكايل لاودروب أو البرتغالي لويس فيغو أو البرازيلي رونالدو، أو كل أولئك النجوم الذين ارتدوا قميص «البلاوغرانا»، لكن كان في بالهم دائماً أحلام وطموحات أخرى، فلم يشعروا مثلاً بالذنب للحظة عند تحوّلهم إلى ارتداء القميص الأبيض الخاص بالغريم التقليدي ريال مدريد.

لطالما كان ميسي غيرهم جميعاً، فهو يرتبط بعلاقة عاطفية مع ناديه الأم، وهي علاقة مبنية على جانب إنساني أيضاً، على اعتبار أن «البرسا» كان الوحيد الذي استقبل «ليو» واحتضنه يوم معاناته من عدم النمو، فعالجه واستثمر فيه ليصبح نجمه الأول، لا بل النجم العالمي الأوحد.
كل هذا لم ينكره ميسي، لكن يبدو اليوم أن الحال باتت مغايرة، وتكثر الأسباب التي تدفعه إلى قول كلمة وداعاً ورسم ذاك المشهد القديم الذي يختصر بعدم معرفة برشلونة الحفاظ على نجومه، والأمثلة كثيرة على ذلك وتبدأ بالهولندي يوهان كرويف وتمرّ بالأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا والإنكليزي غاري لينيكر، وصولاً الى البرازيليين روماريو، رونالدو، ريفالدو ورونالدينيو.
لماذا يريد ميسي الرحيل؟
يمكن الذهاب في تحليل هذا الموقف في اتجاهات عدة.
ميسي يريد الرحيل لأن برشلونة لم يعد كما كان سابقاً. لم يعد برشلونة كرويف وبرشلونة جوان لابورتا، إذ يبدو جليّاً أنه مع وصول الرئيس المستقيل ساندرو روسيل ساءت الأمور، حيث أُخرج كل حلفاء لابورتا، وعلى رأسهم كرويف. وطبعاً مع استقالة روسيل بسبب فضيحة النجم البرازيلي نيمار، أصبحت الأوضاع أسوأ بكثير مع الرئيس الحالي جوسيب ماريا بارتوميو ونائبه خافيير فاوس، الذي وصفه ميسي بأنه لا يفقه شيئاً في كرة القدم، في وقتٍ أن نادياً بحجم «البرسا» يحتاج فيه الى أفضل الأدمغة التي تفيد النادي فنياً، لا تجارياً، بالدرجة الاولى.

اشتهر برشلونة
دائماً بعدم معرفته الحفاظ على نجومه


ميسي يريد الرحيل لأن الوضع لم يعد يحتمل، والمشهد يلوح أمامنا بصورة تشبه ذاك المشهد الذي سبق رحيل غوارديولا عن النادي، إذ إن ملاحظات ميسي كثيرة على كيفية تسييره، وخصوصاً في ما خصّ النشاط في سوق الانتقالات حيث لم تكن صفقات برشلونة مدروسة، وتحديداً في الشق الدفاعي حيث استُقدم مثلاً البلجيكي توماس فيرمايلن مصاباً ولم يشارك في أي مباراة حتى الآن!
ميسي يريد الرحيل لأن تفكير الإدارة منصبّ على «البيزنس» وعلى تعويم «سلعته» الأربح مستقبلاً أي البرازيلي نيمار، إلى درجةٍ بات فيها انتقاد «البرغوث» عادياً في الصحف الموالية للفريق الكاتالوني، من دون أن تحرك الإدارة ساكناً لوقف هذه المهزلة، وخصوصاً أن ميسي بات تحت الضغوط أكثر من أي وقتٍ مضى لحمل الفريق على كتفيه في هذه المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها.
ميسي يريد الرحيل لسببين يرتبطان أيضاً بما ذُكر أعلاه. أولاً لأن الإدارة لم تظهر داعمة له في مشكلته مع مصلحة الضرائب، حيث لم تنتهِ محاكمته أيضاً أمام القضاء الإسباني، ما يدفعه أكثر إلى التفكير بالرحيل الى بلدٍ آخر وترك والده الذي يدير أعماله لينهي المشكلة. وثانياً لأن «البلاوغرانا» دخل مرحلة خريفية وضبابية مع اعتزال كارليس بويول ورحيل فيكتور فالديس وتراجع مستوى جيرارد بيكيه واقتراب شافي هرنانديز من سن النهاية وترقّب دخول أندريس إينييستا في مرحلة العدّ العكسي للاعتزال كونه شارف على الـ 31 من العمر، بينما لم يعد البرازيلي داني ألفيش قادراً على العطاء، على غرار ما فعل سابقاً.
ميسي يريد الرحيل لأن برشلونة لن يكون الفريق القادر على تلبية طموحاته وإعادته للجلوس على العرش العالمي كأفضل لاعبي العالم في وقتٍ قريب، إذ إن أبواب أسواق الانتقالات أُقفلت بوجهه جراء عقوبة «الفيفا» عليه لمخالفته الأنظمة الخاصة باللاعبين الناشئين.
ميسي يريد الرحيل، لا بل يريد القفز من المركب قبل غرقه. هو يعلم أن الآتي أعظم ولن يكون أحدٌ قادراً على تعويم سفينة النادي الكاتالوني في حال بقاء قباطنتها الحاليين خلف مقود قيادتها، وهم الذين لا يجيدون السباحة أصلاً.