انه زمن الكرة الالمانية بامتياز. هذا الامر ليس من نسج الخيال، وليس مديحاً او تعاطفاً مع الألمان بل هو واقع تُرجم في الصيف الماضي عندما رفع «المانشافت» كأس العالم للمرة الرابعة بعد مشوارٍ مشهود في مونديال البرازيل.


بايرن ميونيخ، بوروسيا دورتموند، باير ليفركوزن، وشالكه. هذه الفرق الاربعة خطّت ما فعلته الموسم الماضي ايضاً، عندما عبرت الى دور الـ 16 في المسابقة الاوروبية الأم، في وقتٍ كانت فيه بلدان اخرى لا تزال تقول إن الاتحاد الاوروبي لكرة القدم لم يكن عادلاً عندما منح المانيا مقعداً اضافياً قبل اعوام مضت، وتحديداً على حساب الكرة الايطالية، التي حدث ولا حرج عن وضعها الحالي.
اصلاً، قيل الكثير عن كرة الالمان، او اذا صح التعبير، وعلى نحو ادق، عن الدوري الالماني. قيل انه لا يضم اندية قوية باستثناء بايرن ميونيخ، كما قيل ان «البوندسليغا» تفتقر الى النجوم الذائعي الصيت، وقيل ايضاً ان مستوى الفرق الالمانية على نحو عام لا يمكنها ان ترتقي الى مستوى اندية انكلترا واسبانيا مثلاً.
وقبل موسمين، قيل ان الصدفة وحدها حملت ثلاثة فرق المانية الى دور الـ 16، ثم فريقين المانيين الى المباراة النهائية، فعاد الالمان وقدّموا اربعة فرق في الدور عينه في الموسم الماضي.
سخرية القدر من اولئك المصوّبين دائماً على بطولة المانيا ووصفها بالضعيفة، وضعتهم امام مشهدٍ لم يهضموه يوماً، وذلك عندما ذهب المنتخب الالماني الى التتويج بالمونديال بتشكيلةٍ جلّها من اللاعبين الذين ينشطون في «البوندسليغا». وهذه النقطة لم تفاجئ ابداً القيّمين على الكرة الالمانية الذين اشاروا دائماً الى ان تخطيطهم الذي بدأ منذ مطلع الالفية الجديدة سيثمر هيمنة في مكانٍ ما، ويسحب البساط من تحت الاسبان تحديداً، فكان لهم ما ارادوا.

قدّم الالمان السبب الملموس لمنحهم
4 مقاعد أوروبية


الضعف الذي وصف به المناهضون للكرة الالمانية اندية المانيا، عكسته هذه الاندية قوةً بفضل مدربيها ولاعبيها المحليين أولاً، وذلك عبر تأكيد حضورها في دوري الابطال، وهي البطولة التي تعدّ الاقوى والاصعب على صعيد الاندية. والاسوأ ان بايرن ميونيخ لم يكن وحده الذي فعل هذا الامر عبر خروجه زعيماً من مجموعة صعبة، ومن دون عناء كبير. هناك على الساحة الاوروبية كان حاضرا باير ليفركوزن وشالكه، اللذان يقفان خلف فرقٍ عادية مثل فولسبورغ واوغسبورع على لائحة الترتيب العام في «البوندسليغا»، لا بل ان بوروسيا دورتموند الذي يحتل المركز الـ 14 حالياً، والذي صارع للهروب من المراكز المتأخرة طوال الاسابيع الماضية، تصدّر مجموعته من دون ان يتلقى اكثر من خسارة.
لقد تبيّن على نحو ملموس انه لا حاجة لان يكون في «البوندسليغا» لاعبون مثل البرتغالي كريستيانو رونالدو او الارجنتيني ليونيل ميسي لكي يكون للبطولة قيمة، اذ ان قيمة اي بطولة وطنية هي في انديتها. وهنا يمكن اعتبار ان قيمة الدوري الالماني كبيرة جداً بحكم ان انديته تعرف ماهية العمل الصحيح. وتفوّق البطولة الالمانية في دوري الابطال، يأتي من هذا المنطلق، بحيث ان تعزيز هذه الاندية لفئات الناشئين فيها يعطيها اليوم مردوداً رهيباً. كذلك، فان العمل الدقيق عبر البحث عن المواهب الاستثنائية في الخارج، يضيف الى قوة الكرة الالمانية شيئاً تفتقده اندية البطولات الاخرى. والاهم ان اندية المانيا عرفت كيفية الحفاظ على التوازن المالي الذي يبقيها عائمة، وذلك بفضل سياستها الناجحة في «الاستيراد والتصدير»، بحيث يستقطب الكشافون مواهب بأموالٍ بسيطة جداً ثم يبيعونها بعد سنوات بصفقات كبيرة. ويضاف الى هذا الامر الاستثمار الناجح في قطاعات الناشئين، بحيث ان العائدات باتت اكثر من المصاريف.
هو زمن الكرة الالمانية بامتياز، تماماً كما كان في فترةٍ ما زمن الفرنسيين ثم الاسبان في اوروبا، والدليل ان اندية كثيرة باتت ترى في اللاعبين الالمان العمود الفقري لتشكيلاتها، في وقتٍ مرّت فيه فترة لم يعرف اي لاعبٍ من الصف الاول الطريق للعب خارج ما اصبح اليوم، ما يمكن تسميته «جنة الكرة الالمانية».