قبل حوالى أسبوع تقريباً، تجمّع طلاب من مختلف دول الاتحاد اليوغوسلافي السابق في إحدى كبرى المدارس في البوسنة، حيث حمل كل منهم علم بلده في دعوتهم لبقاء السلام في هذه البقعة من منطقة البلقان. كان لافتاً في هذه الصورة مشهد طالبة كرواتية وهو تمشي الى جانب طالب صربي، وهذا ما أثار استغراب إحدى السيدات الحاضرات، فما كان من الطالبة إلا أن ردّت عليها بتقبيل زميلها الصربي.
هذه اللقطة انتشرت «كالنار في الهشيم» على مواقع التواصل الاجتماعي في دول الاتحاد اليوغوسلافي السابق. كانت لقطة معبرة لكثيرين. لكن مفعولها لم يدم سوى لساعات، إذ إن بلدي الطالبين انشغلا بالمواجهة الكروية الهامة بينهما في تصفيات كأس العالم 2014 في البرازيل. نسي الجميع في كرواتيا وصربيا سريعاً هذه القبلة «التاريخية» وبات الهم واحداً: المباراة التاريخية في «ماكسيمير ستاديوم» في العاصمة الكرواتية زغرب.
نعم، هي مباراة تاريخية بكل المقاييس، إذ إنها تجمع للمرة الأولى بين كرواتيا وصربيا منذ الحرب التي دارت بينهما بين عامي 1991 و1995 عندما كانت كرواتيا تسعى إلى الاستقلال عن يوغسلافيا.
هذا الماضي سيكون حاضراً، لا شك، الليلة، وخصوصاً أن ملعب «ماكسيمير» لا يزال شاهداً على مباراة دموية في 13 أيار عام 1990 بين فريقي دينامو زغرب الكرواتي والنجم الأحمر الصربي وقد نجم عنها معركة طاحنة بين جمهوري الفريقين أدت الى سقوط 200 جريح وتوقيف 100 مشجع بسبب الشغب.
هذا الماضي جعل العاصمتين الكرواتية، زغرب، والصربية، بلغراد، تعيشان حالة من القلق طيلة الأيام الأخيرة حيث خرجت دعوات لإبقاء المباراة ضمن الإطار الرياضي. ورغم الاتفاق بين الطرفين على عدم وجود المشجعين الصرب في مدرجات ملعب «ماكسيمير» تفادياً لوقوع أعمال شغب، فإن الشرطة الكرواتية اتخذت إجراءات أمنية مشددة في محيط الملعب تخوفاً من قدوم «الهولينغز» الصرب وتحديداً أولئك المعروفين بـ«باد بلو بويز» التابعين لفريق بارتيزان بلغراد والذين تسببوا بمقتل مشجع لنادي تولوز الفرنسي خلال مباراة للفريقين عام 2009.
ورغم محاولة مدرب منتخب صربيا، النجم السابق سينيسا ميهايلوفيتش، تبريد الأجواء بقوله «إنها كرة القدم وليست الحرب ما ينتظرنا في زغرب»، إلا أن موقف المحلل الرياضي الكرواتي روبرت ماتيوني يبدو مختلفاً، إذ يرى أن «هذه المباراة تتخطى الإطار الرياضي»، معتبراً أن «التاريخ المعقّد بين البلدين والمثقل بالحرب، يُظهر مدى أهمية هذه المباراة حيث إن القضاء على الخصم سيكون الأولوية فيها».
لغة القلق لا تسيطر على كرواتيا وصربيا وحدهما، إذ ثمة قلق موازٍ من جانب الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم إزاء هذه المباراة التي صنفت بأنها ستكون «تحت درجة عالية من المراقبة» ويتمحور حول العنصرية المتجذرة بأقوى أشكالها في كرة القدم في كرواتيا وصربيا على وجه الخصوص، وهذا ما دفع الشرطة الكرواتية الى إصدار بيان تحذر فيه جماهير بلادها من إطلاق شعارات عرقية وأنها ستعمد في هذه الحالة الى إيقاف المباراة مؤقتاً أو نهائياً.
وإذا كان الصراع التاريخي بين البلدين سيرفع من منسوب التحدي بين لاعبي المنتخبين على أرض الملعب، فإن وضعهما في المجموعة حيث تحتل كرواتيا المركز الثاني بـ 10 نقاط بفارق الأهداف خلف بلجيكا المتصدرة، في حين تأتي صربيا ثالثة بـ 4 نقاط، سيزيد، لا شك، من منسوب حماوة المباراة حيث إنها ستكون مصيرية بالنسبة إلى الثانية، إذ إن خسارتها فيها تعني الخروج من السباق المونديالي كلياً، أما خسارة كرواتيا فتعني أن مهمتها ستتعقد، وخصوصاً أن مباراة ثانية تنتظرها مع صربيا في بلغراد.
من هنا، ثمة صراع على درجة عالية من التشويق سيدور بين المنتخبين، وخصوصاً بين القوة الهجومية للكروات المتمثلة تحديداً بنجم ريال مدريد الإسباني لوكا مودريتش وزميله في الوسط إيفان راكيتيش، لاعب إشبيلية، وماريو موندزوكيتش، لاعب بايرن ميونيخ الألماني، في المقدمة، وبين القوة الدفاعية للصرب المتمثلة بالقائد برانيسلاف إيفانوفيتش، لاعب تشلسي الإنكليزي، وألكسندر كولاروف، لاعب مانشستر سيتي، ونيفن سوبوتيتش لاعب بوروسيا دورتموند الألماني.
كما أن الصراع الذي سيدور خلف خط الملعب بين مدربي المنتخبين ميهايلوفيتش من جانب صربيا وإيغور ستيماتش ومساعده آلان بوكسيتش في الجانب الكرواتي، لا يقل شأناً وذلك نظراً إلى ما يمثله هؤلاء النجوم من تاريخ وتجربة كبيرين في الملاعب الأوروبية.
كرواتيا تواجه صربيا في زغرب إذاً. الأيادي على القلوب. علّ كرة القدم، قبل البلدين، تخرج منتصرة من هذه الموقعة التاريخية.




سرنا: من أصعب المباريات

رأى قائد المنتخب الكرواتي، داريو سرنا، أن المباراة أمام صربيا «ستكون إحدى أصعب المباريات» في مسيرته، نظراً إلى «الأجواء المحيطة بها من قِبل وسائل الإعلام، وبسبب الضغط الذي لم يكن أبداً كبيراً، كما هي عليه الحال الآن».