لم يكن ما عاناه لاعبو المنتخب الأرجنتيني في ملعب «هرناندو سيليس» في لاباز عادياً، إذ بدوا كأنهم يحتضرون على أرض الملعب، في مشهدٍ ربما اعتاد رؤيته متابعو مباريات كرة القدم في قارة أميركا الجنوبية، لكن ليس بالشكل الذي بدا عليه في اللقاء المذكور، حيث لم يكن مستبعداً أن يقضي أحد اللاعبين نحبه متأثراً بما يمكن وصفه بالتعذيب على علوّ مرتفع.
طبعاً، مسألة اللعب في استادات ترتفع أكثر من 2000 متر عن سطح البحر ليست بالأمر الجديد، فهي سبق أن أثارت جدلاً واسع النطاق لسنواتٍ عدة، انتهت بإقرار الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» منع استضافة أي بلد للمباريات الدولية التي ترتبط بالبطولات القارية أو تلك التي تخصّ تصفيات كأس العالم، على ارتفاع يعلو أكثر من 2500 متر عن سطح البحر، وهو قرار شكّل نبأً ساراً لكثير من اللاعبين ووسائل الإعلام والجماهير التي عانت الأمرّين أيضاً.
إلا أن «الفيفا» وتحت ضغوطٍ كبيرة تراجع عن قراره بعد أقل من سنة، ليفتح مجدداً باباً لاستكمال مسلسل «رعب المرتفعات» الذي تستفيد منه فقط المنتخبات المضيفة كون لاعبيها اعتادوا العيش واللعب في نمط عوامل طبيعية مماثلة، بينما تنشغل المنتخبات الزائرة بعملية إعداد بدني خاص للاعبيها يختلف تماماً عن الإعداد الخاص بالمباريات الأخرى.
وفي الوقت الذي حاول فيه «الفيفا» في مناسباتٍ عدة طمأنة الرأي العام بأنه لا خوف على سلامة اللاعبين عند خوضهم مباريات على علو مرتفع، فان البحث في الدراسات العلمية يشير الى ان بعض اللاعبين قد يلقون حتفهم هناك في حال كانوا يعانون من مشاكل في التنفس. لذا، كان هناك قلق كبير عند رؤية الجناح الأيسر للمنتخب الأرجنتيني أنخيل دي ماريا يستعين بقارورة من الأوكسيجين لمساعدته على التنفس خلال المباراة في لاباز، في مشهدٍ من النادر جداً رؤيته في ملاعب كرة القدم.
وتتفق الدراسات كلها على ان السفر الى اماكن مرتفعة او منخفضة كثيراً عن سطح البحر يُضرّ بشكلٍ مباشر بأداء أي رياضي، لذا كان الحلّ الوحيد امام المنتخبات هو حمل لاعبيها الى المدن المرتفعة او المنخفضة قبل ايام طويلة على خوض المباريات من اجل تأمين اعتيادهم على «الظروف القاهرة» هناك. الا ان الارجنتين لم يكن بإمكانها فعل هذا الأمر اخيراً، اذ ان روزنامة مباريات الاندية والمنتخبات تبدو ضيقة، وبالتالي لم يمكث الارجنتينيون وقتاً طويلاً في لاباز من اجل الاعتياد على الأجواء هناك، حيث وصف لاعبون كثيرون سابقاً بأنهم يشعرون بآلام مبرحة في الرأس خلال لعبهم، فضلاً عن بطء في التفكير، ما يؤثر سلباً على ادائهم وردات فعلهم، ويعطي افضلية للمنتخب المضيف الذي غالباً ما يقتنص النقاط الكاملة للمباريات امام منافسيه او على الأقل يخرج متعادلاً، على غرار ما حصل ضد الأرجنتين التي اقتنصت للمرة الأخيرة عام 2005 فوزاً نادراً في لاباز بهدفٍ وحيد سجله لوتشيانو غاليتي.
ومن الدراسات المعمّقة التي اجريت في هذا السياق، تبرز تأكيدات عدة بأن التأثير الأكبر على اللاعبين يأتي من خلال اللعب على علو مرتفع أكثر منه منخفض، وهذا ما يبدو واضحاً من خلال مقارنة النتائج للمنتخبات التي لعبت على هذين المستويين، حيث وجدت المنتخبات الزائرة للملاعب المرتفعة كثيراً عن سطح البحر صعوبة في الخروج بنتائج ايجابية اكثر من تلك التي لعبت على علو منخفض. وبشكلٍ عام، يبدو جليّاً ان أسوأ اداء لمنتخبات اميركية جنوبية خارج ارضها يأتي عند زيارتها للعاصمة الكولومبية بوغوتا التي ترتفع 2550 متراً عن سطح البحر، والعاصمة الإكوادورية كيتو المرتفعة 2800 متر، ولاباز التي ترتفع 3600 متر.
اذاً، ما يحصل ليس عدلاً على الاطلاق، وهذا امر تعرفه المنتخبات المضيفة للمباريات على الارتفاعات المذكورة، حيث تكون هي المستفيد الأول، لكنها تضع لاعبي المنتخبات الزائرة في دائرة خطر كبير، وخصوصاً ان دراسات اخرى توضح حالياً ان اللاعب المحترف خارج القارة اللاتينية يقوم بمجهودٍ اكبر مما كان يقوم به اقرانه قبل 10 سنوات تقريباً. ويضاف الى هذا المجهود مسافات السفر الطويل والجهد الذي يضعه خلال المباراة، ما يضعف مسألة مقاومة جسده للإرهاق الذي قد يسبّب له حادثاً خطيراً، وهو أمر في حال حصوله يكون المسؤول عنه من شرّع قرار اللعب مجدداً في أماكن يتعرّض فيها اللاعبون للتعذيب بكل ما للكلمة من معنى.




معاناة ميسي


كان أفضل لاعب في العالم ليونيل ميسي أحد اللاعبين الذين عانوا كثيراً في لاباز، إذ تقيأ بين شوطي المباراة بسبب ارتفاع الضغط، وهو بدا مستاءً مما حصل معه، اذ اشتكى من اللعب في العاصمة البوليفية، مشيراً إلى أن التعافي من مثل هذه المباريات «يستغرق وقتاً طويلا».
كذلك، بدا كابتن المنتخب الأرجنتيني مستاء من أن المعاناة التي عاشها اللاعبون لم تأتِ بنتيجة أفضل من التعادل، مؤكداً أن منتخبه كان بوسعه تحقيق الفوز بعد المجهود الكبير الذي قدّمه خلال اللقاء.