يتحدثون عن الإسباني جوسيب غوارديولا، وعن البرتغالي جوزيه مورينيو، وغيرهما من المدربين على أنهم الأفضل والأنجح. هذا الكلام كان سابقاً لأوانه حتى يوم أمس، أي يوم إعلان «السير» الاسكوتلندي أليكس فيرغيسون تركه عالم المستديرة، فبوجوده لم يكن هناك أي مكان لأحد على عرش الأفضل.


هو نبأ ليس ككل الأنباء. فجأة أصبحت صفحات مواقع شبكة «الإنترنت» الخاصة بالصحف أو أي وسيلة إعلامية أخرى تتعاطى كرة القدم لا تحمل شيئاً سوى صور «السير» ومقالات عنه. كلٌّ كتب من زاويته الخاصة، لكن الكل اتفقوا على أن كرة القدم ستفقد «أسطورة» لها وزنها، وقد تمر قرون قبل أن يشهد العالم مثيلاً لها.
فعلاً لا يمكن تخيّل فريق مانشستر يونايتد من دون «السير».
26 عاماً أمضاها في «مسرح الأحلام»، أي ملعب «أولد ترافورد»، صانعاً فعلاً أحلاماً جميلة، لعل أبرزها في الذاكرة ذاك الفوز الخرافي الذي حمل بصماته في المباراة النهائية لمسابقة دوري أبطال أوروبا على بايرن ميونيخ الألماني (2-1) عام 1999 على ملعب «كامب نو» في برشلونة.
أيُعقَل أن تمر جولة في دوري أبطال أوروبا أو نهاية أسبوع في الدوري الإنكليزي الممتاز من دون أن يظهر فيرغيسون على شاشات التلفزة حول العالم؟ فعلاً هو أمر غير مألوف؛ لأن البعض اعتاد مشاهدة صورة فيرغيسون أكثر من أي شيء آخر في العالم الكروي الذي يحيط به. ابتعاد «السير» سيجعل كل شيء مغايراً تماماً؛ فالأمور لن تكون كما عهدها الرأي العام الكروي، أقله في مانشستر، وانسحاباً إلى الفرق الإنكليزية الأخرى التي ستتغير حساباتها عند مواجهاتها فريق «الشياطين الحمر» من دون ذاك العبقري.
فيرغيسون اعتزل، يا له من نبأ! لقد ظن جمهور مانشستر يونايتد أن الرجل خالدٌ، وجودة شيخوخته بجودة الويسكي الاسكوتلندي العتيق. هم لن يروا بعد الآن وجنتيه الحمراوين، هم لن يروا مضغه العلكة كالأسد الجائع في اللحظات العصيبة التي يمرّ بها الفريق. هم لن يروا ذاك الرجل الكبير في السن والصغير في الشغف يعانق أحد مساعديه عند دخول هدفٍ في مرمى الفريق المنافس. هم لن يروا ذاك «المراهق» يهجم معترضاً على قرارات الحكام ومدافعاً عن فريقه كالجندي في حالة حرب.
مشاهد كثيرة تركها «فيرغي»، أقلها رفع الكؤوس المختلفة محلياً وأوروبياً وعالمياً. مشاهد قد لا يكون تكرارها قريباً جداً مع أي مدرب آخر. سيصعب على مانشستر يونايتد أصلاً تقبّل فكرة البحث عن مدرب جديد، هذا إذا عرف كيفية تنفيذ هذا الأمر؛ إذ طوال 26 عاماً كان كل فردٍ في النادي قابلاً للتغيير ما عدا شخصاً واحداً يدعى اليكس فيرغيسون.
نعم، لم يمانع مانشستر يونايتد رحيل أو اعتزال أيٍّ من نجومه؛ إذ لا مشكلة في هذا الأمر، ما دام فيرغيسون هنا فهو يعرف أين يجد الحل. تارة سحبه من أكاديمية النادي على غرار ما فعل عندما دفع بجيله الذهبي إلى الأضواء، عبر تقديمه بول سكولز وديفيد بيكام والويلزي راين غيغز وغيرهم. وتارة أخرى وجده على مقربة منه، فتحدى الفرق المنافسة في المكاتب وأقنع نجومها بالقدوم للإسهام بصناعة المجد، وهذا ما حصل مثلاً في حقبة النجم الفرنسي إيريك كانتونا الذي سحبه «السير» من ليدز يونايتد لينصّبه ملكاً في «أولد ترافورد»، ثم كررها هذا الموسم عندما ضم الهداف الهولندي روبن فان بيرسي من الغريم أرسنال، فكان «فان غول» صاحب الحسم في منح اللقب ليونايتد. كذلك، كان من السهل بالنسبة إليه استبدال أي كان، حتى لو اضطر الأمر إلى إيجاد موهبة بعيداً من الديار، وأحياناً في بلدانٍ لم تعرف المجد على الصعيد العالمي بشكلٍ كبير، أمثال النروج التي استقدم منها «الورقة الرابحة» وصاحب الوجه الطفولي القاتل أولي غونار سولسكيار، أو الدنمارك التي استعان منها بالحارس العملاق بيتر شمايكل...
وتطول قائمة اكتشافاته وتعاقداته الناجحة، من الايرلندي روي كين إلى البرتغالي كريستيانو رونالدو وغيرهما. فعلاً قليلة جداً هي الصفقات التي لم يصب فيها فيرغيسون، وهذا ما سيفتقده مانشستر يونايتد حتى لو استقدم غوارديولا ومورينيو معاً لتدريب فريقه على سبيل المثال. سرّ فيرغيسون لم يكن في قراءته التكتيكية على أرض الملعب خلال المباريات، بل في قراءته المسبقة للعناصر المتاحة بين يديه، فبدا أحياناً كأنه يفكر بسنوات ضوئية أسرع من أقرانه المدربين.
يا للهول! هي ردّة فعل مشتركة في الحساب الخاص لنادي مانشستر يونايتد على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حيث أصاب رقماً قياسياً؛ إذ في مدة زمنية لا تتعدى ساعة، وُضعت أكثر من مليون ونصف مليون تغريدة تعليقاً على النبأ، وترافقت مع كلمة شكراً التي وردت في أكثر من 100 ألف تغريدة.
ابتداءً من اليوم سيُطرح السؤال الكبير: من سيكون خليفة «السير»؟
الواقع أن لا أحد يستحق أن يوصف بخليفة الرجل الكبير. لا أحد مثله، وسيلمس جمهور مانشستر يونايتد هذا الأمر سريعاً، وربما شعر بنفس ارتدادات الزلزال الذي أحدثه اعتزال الكبير الآخر مات باسبي عام 1969، الذي أدى في نهاية المطاف إلى هبوط الفريق إلى مصاف الدرجة الثانية عام 1974!
طبعاً، لن يواجه مانشستر يونايتد السيناريو عينه، أي الهبوط، لكن الخيبة قد ترافقه أينما حلّ لفترة ليست بقصيرة، أو أقله في السنوات المقبلة؛ إذ إن قلة تعرف أن فيرغيسون كان يمضي ساعات في إحدى زوايا منزله يرسم السياسة الفنية للنادي، وأحياناً الإدارية. كذلك، قلة تعرف أنه كان يجلس طويلاً على مقعد أحد الملاعب الرديفة التابعة للنادي من أجل متابعة الصغار ثم نقلهم إلى كنفه ليصنع منهم رجالاً.
طبعاً، وقع الرجل في أخطاء أحياناً بحكم الطبيعة الإنسانية، لكن سجله الذهبي الذي يتضمن أكثر من 1500 مباراة و38 لقباً، يُسقط كل هذه الأخطاء ويمحوها، ويجعل من «السير» فعلاً رجلاً خالداً وأسطورة حيّة ستنافس بحضورها منذ اليوم كل تلك الأساطير التي خرجت سابقاً من الملاعب لتسرق الأضواء أينما حلّت.
سواء أحببته أو كرهته لأنه هزم فريقك، فإنك لا محالة، ستفتقد «السير» اليكس فيرغيسون وتردد عبارة: «لو كان السير موجوداً...»، في كل مرة يكون فيها مانشستر يونايتد محرَجاً.




قالوا عنه | شكراً جزيلاً أيها القائد

لم يكد مانشستر يونايتد يعلن نبأ اعتزال أليكس فيرغيسون في نهاية الموسم، حتى خرجت ردود الفعل التي تكيل المديح للمدرب الاسكوتلندي. وقال رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزف بلاتر: «ما أنجزه خلال مسيرته كمدرب يضعه بدون أي شك بين كبار كرة القدم. هل سيعمر أحد مثله بعد الآن؟».
من جهته، اعتبر رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة، الفرنسي ميشال بلاتيني، أن «السير» «قدّم مساهمة جبارة لكرة القدم، ليس فقط في اسكوتلندا وإنكلترا، بل في أوروبا وكل العالم»، مشيداً بـ«تفانيه وانتباهه لجميع التفاصيل ونظرته الثاقبة للمواهب، بالإضافة الى تدريبه ابردين، ومانشستر يونايتد منحته مكافآت كثيرة خلال 30 عاماً».
وأعطى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أيضاً رأيه، قائلاً: «ما حققه السير أليكس فيرغيسون مع يونايتد كان استثنائياً. آمل أن يسهّل رحيله حياة فريقي (أستون فيلا)». ولم يفوت نجم يونايتد السابق وريال مدريد الإسباني الحالي، البرتغالي كريستيانو رونالدو، المناسبة بقوله: «شكراً جزيلاً على كل شيء أيها القائد».
بدوره، قال حارس يونايتد السابق الدنماركي بيتر شمايكل: «كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي، لكن بصراحة أعتقد أنه ما زال مبكراً. كان يمكنه الاستمرار لسنة أو سنتين. فوجئت وحزنت أيضاً».