«كرة القدم هي لعبة بسيطة، حيث يركض 22 رجلاً خلف الكرة لمدة 90 دقيقة، وفي نهاية المطاف يفوز الألمان دائماً». هي عبارة شهيرة أطلقها النجم الإنكليزي السابق غاري لينيكر. عبارةٌ ستكون ترجمتها حرفية الليلة عندما يتقابل بايرن ميونيخ ومواطنه بوروسيا دورتموند الليلة في بلاد صاحب هذه العبارة، حيث سيرفع العلم الألماني دون سواه في قلب عاصمة الضباب.

وللمباراة النهائية لمسابقة دوري أبطال أوروبا وللأمسية الألمانية أبعاد مختلفة، تبدأ من المواجهة بين الغريمين التقليديين، وتمرّ بالساحة القارية الخاصة بالبطولات الوطنية، وتصل إلى نظيرتها الدولية التي لها علاقة مباشرة بالمنتخبات.

إذاً، هذه الليلة تعني الكثير للألمان ولمحبي الكرة في بلاد «القيصر» (فرانتس بكنباور)؛ فهم فرضوا «كلاسيكو» بالألوان الثلاثة: أسود، أحمر، وأصفر، في الوقت الذي انتظر فيه العالم «الكلاسيكو» الأصيل بين قطبي الكرة الإسبانية برشلونة وريال مدريد.
لكن الألمان أنهَوا زمن الإسبان، وبدأوا يخطّون قصة عصر جديد لكرة «البوندسليغا». لكن قبل الحديث عن هذه البطولة المحلية ومدى انسحاب خطرها على نظرائها في أوروبا، لا بدّ من التصويب على مسألة مدى أهمية المباراة النهائية لدوري الأبطال وانعكاسها على الصعيد المحلي بالنسبة إلى كلٍّ من بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند.
الأكيد أن مباراة الليلة تحمل عنوان «تصفية الحسابات» بين الغريمين؛ إذ بغض النظر عن الطموح الدائم للفريق البافاري إلى حصد الألقاب، فإنه يصبو إلى تصفية دورتموند، وذلك من خلال حرمانه اللقبَ الأوروبي الذي قد يعيده بقوة لمنازلته على الساحة المحلية. ففي الموسمين الماضيين كان فريق منطقة الرور الصناعية هو وحش الكرة الألمانية الذي تمكن من التهام البافاريين من دون أي غصّة.
وهذه الحقبة الناجحة أتت بعد مشكلات مالية عاشها النادي في 2005 حيث كانت النكسة كبيرة، لكن القيّمين أقروا خطة نهوض ناجحة أوصلت الفريق إلى لقبين متتاليين في «البوندسليغا»، كان قوامها فريقاً من الكشافين جلب مواهب عدة أصبحت مركز ثقل، امثال الياباني شينجي كاغاوا والبولوني روبرت ليفاندوفسكي وماتس هاملس وغيرهم من الجنسيات المختلفة.
أما نقطة القوة الثانية، فكان التركيز على العمل في الأكاديمية التي خرّجت لاعبين مهمين إلى الفريق الأول على رأسهم ماريو غوتزه الذي وصل في التاسعة من عمره. ومن دون شك، إن فورة دورتموند لا تعجب بايرن على الإطلاق، وهو أصلاً بدأ حملة إقصاء خصمه قبل الوصول إلى «ويمبلي»؛ إذ إضافة إلى رصده ميزانية محترمة لإنزاله عن عرش «البوندسيلغا» التي انتزع درعها في نهاية المطاف، فإنه عمل على خطف النجم الأول في دورتموند، أي ماريو غوتزه.
وبايرن يعلم جيّداً أن الحصول على غوتزه وربما ليفاندوفسكي وعدم السماح لدورتموند بغنم اللقب الأوروبي، سيعيد الفريق الأصفر سنوات إلى الوراء، وربما إلى عام 2005، حيث ستصبح قواته أضعف بكثير وموارده المالية أقل؛ لأن الفوز بدوري الأبطال يحمل أرباحاً أكثر للفرق الفائزة، يمكن أن تعوّض من خلالها رحيل نجومها البارزين.
من هنا، ينظر المناوئون لبايرن في ألمانيا إلى مباراة الليلة على أنها صراع بين الخير والشر، ويرون في انتصار دورتموند نصر لكل واحد منهم، إذ معلوم أن بايرن الذي يلقى التشجيع من قياديين كبار أمثال المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البافاري هورست سيهوفر، هو مكروه عند الفرق الألمانية الأخرى التي تتحالف ضده.
لكن كل الفرق الألمانية ستكسب من وصول بايرن ودورتموند إلى نهائي الأبطال؛ فإذا كان المكسب معنوياً للكرة الألمانية في الفترة الحالية، ومادياً بالنسبة إلى بايرن ودورتموند فقط، فإن المكاسب ستكون أكبر في الفترة المقبلة على كل الفرق؛ إذ إن الإقبال على الدوري الألماني سيصبح أكبر بكثير، وذلك من خلال الحضور الجماهيري بعيداً من الحدود الألمانية، الذي سيجذب بدوره المزيد من المعلنين.
وبطبيعة الحال، بدأت كرة الألمان تصبح شعبية خارج بلاد «البوندسليغا» بسبب ارتفاع معدل الأهداف الذي هو الأعلى بين البطولات الخمس الكبرى في أوروبا هذا الموسم بمعدل 2.93 هدف في المباراة الواحدة، مقابل 2.85 للدوري الإسباني، و2.80 للإنكليزي، و2.64 للإيطالي، و2.56 للفرنسي...
ولا ترتبط مكاسب النهائي الألماني الصرف بالأندية فقط، فهي تنسحب على الساحة الدولية أيضاً. وهنا الحديث عن فكّ العقدة الإسبانية تحديداً عبر بايرن ودورتموند، ما سيعطي لاعبي المنتخب الألماني دفعة معنوية كبيرة ويجرّد لاعبيه، ومعظمهم من بايرن ودورتموند، من رهبة الخصم الأصعب. أضف إلى هذا الأمر أنه إذا فكرنا في أن العناصر الألمان في كلٍّ من الفريقين الأحمر والأصفر كانوا مخرجي إنجاز بلوغ النهائي، سيجتمعون تحت لواء «المانشافت» في الصيف المقبل لخوض غمار نهائيات كأس العالم 2014 في البرازيل، فإنه يمكن تصوّر دخول الألمان إلى المونديال بنفس القوة التي سيقتحمون بها «ويمبلي» الليلة. وبالتأكيد، إن مدرب المنتخب يواكيم لوف هو الأكثر سعادة من خلال إمكانية جمعه بين قوتين متعارضتين محلياً في صف واحد، وخصوصاً بعدما بدا أن طريقة بايرن ودورتموند كانت متشابهة الى حدٍّ كبير في اقصائهما لبرشلونة وريال مدريد على التوالي.
من هنا، سيحسب كل مدربي المنتخبات الف حساب عندما سيجتمع من الآن وصاعداً مانويل نوير وباستيان شفاينشتايغر وطوني كروس وتوماس مولر وفيليب لام وماريو غوميز وماريو غوتزه وماركو رويس وماتس هاملس ومارسيل شملتزر وزفن بندر وايلكاي غوندوغان.
إذاً، إنها ليلة الألمان، لا بل هو عصر الألمان؛ فرجال بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند، وإن انقسموا لمدة 90 دقيقة، فإنهم عندما سيجتمعون قد تصبح كل أمسية كروية ملوّنة بالأسود والأحمر والأصفر، أي العلم القومي الذي يرفرف عادة خلال الاحتفالات في المدرجات الألمانية.