رشوة، ضغوط سياسية، فضيحة، قرار خاطئ. هذه هي العبارات التي لا تنفك تلتصق بملف قطر لاستضافة مونديال 2022. منذ ان حازت هذه الإمارة الصغيرة حقوق استضافة أهم حدث كروي والشكوك وعلامات الاستفهام تطاردها بصورة لم تألفها أي من النسخ السابقة لكأس العالم. فقبلاً كانت تثار الانتقادات مثلاً حول مدى جهوزية البلد في الموعد المحدد للتنظيم كما حصل مع جنوب أفريقيا 2010، لكن أن تطال علامات الاستفهام أصل الاستضافة، فهذا ما هو جديد في تاريخ كأس العالم.
قبل أيام، أدلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، السويسري جوزف بلاتر، بتصريح غاية في الخطورة والأهمية عندما أكد أن ضغوطاً سياسية أوروبية لدواعٍ اقتصادية مورست من أجل أن تفوز قطر بحق تنظيم المونديال.
وقبل ذلك، انتقد فولفغانغ نيرسباخ، رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم، منح قطر حق تنظيم النهائيات، قائلاً: «أعتقد شخصياً أن القرار كان خاطئاً. أهم حدث في كرة القدم يحتاج إلى موقع مثالي».
وقبل ذلك، كانت القنبلة الكبيرة التي فجرتها صحيفة «فرانس فوتبول» الفرنسية الشهيرة بعنوان «قطرغايت» حيث اعتبرت في تحقيق مكوّن من 15 صفحة أن القطريين دفعوا الرشاوى لكي يحظوا بشرف استضافة العرس الكروي العالمي، مرتكزة في ادعاءاتها على رسالة الكترونية قال فيها امين عام «الفيفا» جيروم فالك: «لقد اشتروا (القطريين) مونديال 2022».
وقبل ذلك، كان رئيس الاتحاد الألماني السابق لكرة القدم وعضو اللجنة التنفيذية في «الفيفا»، ثيو تسفانتسيغر، قد وجه انتقاداً لاذعاً لمنح قطر حق الاستضافة ملمحاً الى عوامل اخرى غير الرياضة أسهمت في فوزها، قائلاً: «لقد تم تحريف المتطلبات الاساسية للبلد المضيف. لم افهم ابداً كيف يمكن ان تمنح هذه الدولة الصغيرة حق استضافة أهم حدث كروي في العالم، خصوصاً أن قطر كانت الأخيرة على لائحة الانطلاق قبل اتخاذ القرار».
في الواقع، إن كل هذا المشهد، المخزي طبعاً، والذي يضرب في الصميم روحية كرة القدم، لم يكن يحتاج إلى تصريح من هنا او تحقيق من هناك لكي يثبت عليه هذا الوصف، فماذا يتوقع المتابع من بلد يجنّس لاعبين ويدفع لهم الامول الطائلة من شتى أصقاع العالم لكي يحصل على منتخب منافس؟ ماذا يتوقع المتابع من بلد يقيس حلاوة كرة القدم بالأموال حيث يبعث بمتموليه الى أوروبا لكي يعبثوا بتاريخ أندية كبرى ويبدّلوا في هوياتها لمجرد ظهور اسم الامارة في الواجهة. ثمة فرق كبير طبعاً، على سبيل المثال، في باريس، بين سان جيرمان برنار لاما وبول لوغوين والان روش ويوري دجوركاييف وباتريس لوكو عندما أحرز لقب كأس الكؤوس الأوروبية في عام 1996، وبين سان جيرمان ناصر الخليفي اليوم مع الأوروغوياني إدينسون كافاني والسويدي زلاتان إبراهيموفيتش والبرازيلي لوكاس مورا والبقية الذين يساوون مئات الملايين من الدولارات. ثمة فرق كبير في نكهة الانتصار ورونقه بين الأمس واليوم. بين ذاك الطبيعي وهذا المصطنع.
المصطنع. هذه، بالضبط، الكلمة «الجوهر» في كل هذا الضجيج حول تنظيم قطر لمونديال 2022 والتي توازي حتى مسألة ما يثار عن رشى او ضغوط سياسية. هذه الكلمة التي تمس مشاعر وأحاسيس عشاق كرة القدم ممن يرون في كأس العالم تحديداً «قدسية» وذاكرة استلهموا من معينها عشق الساحرة المستديرة.
فما لا يعلمه القطريون ويدركونه جيداً أن كأس العالم، بالنسبة لكثيرين، ليست بالفنادق الفخمة والمواصلات الرائدة والسحب الاصطناعية التي تخفف الحرارة وغيرها من الابتكارات التي تطالعنا بها الامارة لعام 2022 لتثبت أهليتها للاستضافة. كأس العالم ليست بتجنيد الاعلام واستغلال تأثيره لسرقة العقول وأخذها الى أحلام وخيالات بمشاهدة العجب و«لبطولة لم تروها من قبل» كما بشّرنا الخليفي من باريس أمس. كأس العالم ليست شعاراً يُشترى بمئات ملايين الدولارات على أقمصة الفرق الكبرى.
كأس العالم هي في الأصالة والعبق الذي تستمده من ماضيها. هي في الجزئيات التي يمكن أن يستلذ العاشق فيها بالغرق في بحر من المشاعر التي ليس لها مثيل ولا تشترى بأثمان. جزئيات يمكن البحث عن معانيها، على سبيل المثال، في ثقب حذاء «القيصر» الألماني فرانتس بكنباور الذي يعود لمونديال 1974 والذي لا تزال الشركة المصنّعة تحتفظ به. يمكن الإحساس بها مثلاً في شعاع الشمس الذي كان يسطع على ملعب «أزيتيك» في المكسيك في 22 حزيران عام 1986 عندما سجل الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا أجمل هدف في تاريخ المونديال في مرمى انكلترا، وليس، بالتأكيد، في سحب اصطناعية تحجب شعاع المونديال.




الجدال المهزلة


لا يزال موعد تنظيم مونديال 2022 في قطر يشغل العالم بين أن يقام في الصيف، وهذا ما ينتقده كثيرون نظراً إلى الحرارة المرتفعة جداً في الإمارة في هذا الفصل، أو في الشتاء وهو ما يؤثر على برنامج الاتحادات الاوروبية لبطولاتها.
وبرز في هذا الإطار تصريح النجم الانكليزي ريو فرديناند، مدافع مانشستر يونايتد، الذي رأى فيه أن «الجدال حول موعد كأس العالم في قطر أصبح مهزلة»، متسائلاً عن سبب إعطاء قطر حق الاستضافة.