كبر الاشتياق، ولما يعد ينفع بعدُ الانتظار. لأكثر من ثلاث سنوات ما فرحت العيون لرؤياها وما ابتسم الفؤاد لملقاها. هي التي ما فارقت الوجدان يوماً ولا الأحلام أبداً. لكأنا فطرنا على حبها. منذ الصغر، دخلت القلوب بلا استئذان، وسرى عشقها في الشرايين واستوطنت الأذهان. إنها الذكريات والأحلام، الشغف والافتنان. انها السحر والفرح، وكرنفال أحلى الأيام.


ما من متعة الا هي، ولا عرفنا شغف الكرة الا بها، ولا جننا الا لها. إنها حبيبة الجميع: كباراً وصغاراً، ذكوراً واناثاً. إنها للغني والفقير، للسعيد والحزين.

إنها الرواية، وأصل الحكاية. حكاية سحر ما انفك يدهش العيون ويخطف القلوب والألباب. مذ كانت الركلة الاولى عام 1930. مذ لمع بريقها للمرة الاولى في مونتيفيديو (الأوروغواي) وتغير شكل العالم. مضت أحداث وأتت أحداث، وهي وحدها، ظلت الأساس. إنها الكأس التي أدهشتنا وسحرتنا، أفرحتنا وأبكتنا، ووحدها وحدها من آنستنا. في كل أربع سنوات تزداد طلتها بهاء وألقها لمعاناً وسحرها طغياناً. الأحلام الآن تهادت عند شواطئ البرازيل. هنا الذهب كله: ذهب رمال ما انفكت تدهش العالم بمواهبها، وذهب... كأس العالم.

كم كانت ولاية باهيا في الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل بهية بالأمس. هنا استراحت الكأس الذهبية والأحلام. بالأمس تحولت هذه البقعة من العالم إلى محط أنظار العالم. الكأس الذهبية كانت تلمع كما العيون التي لا تذهل تُدهش لرؤيتها كما لو أنها المرة الأولى، اما القلوب فكانت تدق خيفة، كيف لا واليوم (أمس) سحْب قرعة نهائيات مونديال البرازيل 2014؟ يا لهذا الحدث! يا لهذه القلوب كيف بإمكانها ان تحتمل كل هذا الدفق! بالأمس، الجميع كانوا في البرازيل، اتحادات وطنية ومدربون ولاعبون ومئات وسائل الاعلام والمدعوين. وما بين القلق على المصير والحلم القادم في صيف 2014، كانت الرهبة تسكن النفوس، فالكل في حضرة كأس العالم.
الزمن يتوقف لهنيهة، والذاكرة تغلبها صور الماضي الجميل: هنا الانكليزي جيف هيرست يسجل هدفاً مثيراً للجدل في مرمى ألمانيا في نهائي مونديال 1966، وهنا البرازيلي بيليه يقفز فرحاً بلقب مونديال 1970، وهنا مكسيكو 1986 وقبعات «السومبريرو»
ويد الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا أمام انكلترا في ربع النهائي وقدمه اليسرى الساحرة في المباراة عينها، وهنا دموع دييغو نفسه في نهائي مونديال 1990 أمام ألمانيا، وهنا الركلة الترجيحية «التاريخية» الضائعة للإيطالي روبرتو باجيو في نهائي مونديال 1994 أمام البرازيل، وهنا القبلة الشهيرة من الفرنسي لوران بلان على رأس مواطنه الحارس فابيان بارتيز بعد التتويج في نهائي 1998 أمام البرازيل، وهنا الـ «نطحة» الأشهر للفرنسي الآخر زين الدين زيدان للايطالي ماركو ماتيراتزي في نهائي 2006...

يا لهذه المشاهد والذكريات! يا لذاكرتنا كيف احتملت كل هذه اللقطات! لكننا لا زلنا عطشى، لكأنا لم نرتو بعد، فبئر هذه الكأس لا تنضب، وعسلها ولا أطيب. العسل الآن كله في البرازيل. العسل في أرض الشهد والعسل، فالرحيق في البرازيل لا شبيه له في العالم بأسره. هنا منبع كرة القدم الأصيل.
هنا كوستا دو ساويب اذاً، القرعة تقترب من إبصار النور. حسناً، ما المانع من فواصل فنية ترحيبية من البرازيليين تكسر الرهبة والخوف من القرعة؟ لكن قبل ذلك ها هو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، السويسري جوزيف بلاتر، ورئيسة البرازيل، ديلما روسيف، يعتليان المنصة مرحبين وداعيين إلى دقيقة صمت حداداً على رحيل المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا الذي رثاه العالم الرياضي قاطبة طيلة اليوم. السكون يعم المكان. ثم عودة بعدها إلى الاحتفالات والتعريف بالمنتخبات والمدن المنظمة.
الدقائق تمر سريعة ليدخل امين عام «الفيفا»، جيروم فالكه، ويسود القلق. حانت لحظة الحقيقة. النجوم الثمانية السابقون الذين يمثلون المنتخبات الفائزة بالمونديال يأخذون أماكنهم وسحب القرعة ينطلق... والنتيجة تبصر النور: مجموعة حديدية واثنتان قويتان. لكن قبلاً ماذا عن الجزائر ممثلة العرب الوحيدة في العرس العالمي؟ الجزائريون يمكن أن يعيشوا الحلم الكبير بالتأهل بتواجدهم الى جانب بلجيكا وكوريا الجنوبية وروسيا. لكن الحلم وحده لا يكفي، لا بد من تصميم ومثابرة. طهران نامت كذلك ليلتها أمس وهي تحلم، فبخلاف الأرجنتين ليس مستبعداً ان تقود العزيمة التي يتمتع بها الايرانيون منتخبهم الى الدور الثاني في مواجهة نيجيريا والبوسنة.
فلنعد الى المجموعات الثلاث السالفة: الحديدية بينها ضمت ايطاليا وانكلترا والأوروغواي القوية، اما كوستاريكا فكانت سيئة الحظ بامتياز.
اما المجموعتان القويتان، فضمتا اسبانيا بطلة العالم وهولندا وصيفتها وتشيلي المتطورة وأوستراليا من جهة، وألمانيا والبرتغال وغانا والولايات المتحدة من جهة اخرى. أين البرازيل المضيفة؟ يمكن «راقصي السامبا» ان ينصبوا حلقات الرقص من الآن بوقوعهم الى جانب المكسيك المتراجعة والكاميرون وكرواتيا. اما فرنسا فكانت اكثر المنتخبات الكبيرة التي ابتسم لها الحظ بوقوعها الى جانب سويسرا والاكوادور وهندوراس. يبقى ان المجموعة الثالثة لن تروق متابعي الكرة لخلوها من المنتخبات الكبيرة لكنها أفرحت البلدان فيها للحظوظ المتكافئة بالتأهل، وضمت كولومبيا وساحل العاج واليابان واليونان.
إذاً، سحبت قرعة مونديال البرازيل. أزهر الحلم. لم يعد ينقص سوى أن يكتمل في حفل الافتتاح. 12 حزيران 2014 لم نعد نطيق صبراً لقدومك، فأنت يومنا، لا بل حلمنا الأجمل.