يصعب التفكير في نقطةٍ تكون بداية الكلام عمّا فعله النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي منذ الشهر الأول، وانسحاباً إلى الشهر الأخير في سنة 2011.

هل البداية تكون الأهداف الـ55 والتمريرات الحاسمة الـ25 التي وقّعها في 57 مباراة خاضها الموسم الماضي مع فريقه برشلونة الإسباني؟
لا. البداية هي في كيفية قيادته «البرسا» في المباراة النهائية لمسابقة دوري أبطال أوروبا، حيث سجل في مرمى مانشستر يونايتد الإنكليزي.

لا. الأفضل أن تكون البداية أهدافه في مرمى الغريم الأزلي ريال مدريد خلال لقاءات «إل كلاسيكو» الكثيرة بين الفريقين في العام الماضي، حيث علقت ذكريات كثيرة في أذهان المتابعين، قد يمحوها الزمن كلّها ما عدا ذاك المشهد في الدور نصف النهائي لدوري الأبطال، حيث تسلم ميسي الكرة وتلاعب برجال «الملكي» في عرينهم (ملعب سانتياغو برنابيو)، قبل أن يمزّق شباكهم بهدفٍ آخر. لكن قد يأتي البعض ليقول إن البداية يمكن أن تكون من نهاية سنة 2011، وتحديداً المباراة النهائية لكأس العالم للأندية أمام سانتوس البرازيلي، حيث قاد الأرجنتيني العرض، وقام بأشياء مذهلة مسجلاً هدفين جعلاه يبدو كأنه مخلوق فضائي سقط من كوكبٍ آخر ليجعل كوكبنا يبدو أفضل، فإذا أحببت فريق برشلونة أو كرهته أو أحببت منتخب الأرجنتين أو بغضته، فهناك لاعب واحد لا يمكنك تمني ألا يكون موجوداً في المشهد، هو ميسي؛ إذ ببساطة، لا حياة كروية من دونه.
وبعد كل هذه الأمور، وبعد سنة من اللمعان، جاءت أشبه بحلقتين محدّثتين عن العامين السابقين، أصبح بالإمكان الحديث عن «أسطورة» اسمها ميسي، لا بل أصبحت هناك جرأة عند كل نقّاد الكرة حول العالم للقول إنه أفضل لاعبٍ عرفه التاريخ.
التاريخ الذي سيشهد، من دون شك، على أشياء أكبر سيخطّها ميسي؛ فهو لا يزال في الرابعة والعشرين من العمر، وعلى حدّ قول «الهولندي الطائر» يوهان كرويف، لا يفترض أن يكون العالم مُفاجَأً جراء فوزه بالكرة الذهبية مجدداً؛ فهو قادر على مواصلة النسج على المنوال عينه والحصول على ثلاث أو أربع كرات أخرى.
نعم، الأداء الخارق لميسي محا كل الجدال الذي كان يحصل سابقاً في كل سنة عند اختيار أفضل لاعب في العالم؛ إذ لا أحد يمكنه نكران أن النجم الأرجنتيني هو الأفضل، لا بل يبتعد بأشواطٍ عدة عن كل منافسيه؛ فكل حركة يقوم بها هي شيء استثنائي وخارج عن المألوف. لقد أنصف ميسي الكرة الذهبية، وطابق معنى كلمات «أفضل لاعب في العالم»؛ فهو يقدّم نوعية اللعب المهاري غير الموجود عند اللاعبين الآخرين في موازاة انعكاس أدائه إيجاباً على المجموعة، فحصد «البرسا» الألقاب المختلفة في سنةٍ مجيدة أخرى.
ربما كان هذا الكلام ليس بالشيء الجديد على مراقبي ميسي عن كثب، لكن الامر اللافت هو استمرار تطوره حيث يبدو أقوى يوماً بعد يوم، ويستمد هذا الشيء من جوعه الدائم لتقديم أفضل ما عنده على أرض الملعب، بغض النظر عما إذا واجه أفضل أو أضعف فريق في العالم. لكن في كلتا الحالتين، ظهر «ليو» سيّداً فوق الجميع؛ فهو أسرع منهم كلهم، أقله في التفكير، حيث يتفوّق ذهنياً على البعض في ثوانٍ فينفذ القرار الصائب حتى قبل أن يقوم منافسوه بالتفكير بردّ الفعل الذي يجب أن يقوموا به فور تسلمه الكرة.
من هنا، يتراءى للمتابع أن الرصاص هو الحل الوحيد لوقف «النفاثة» ميسي، لكن لشدّة ثقة كثيرين بقدراته، قد يرون أنه يمكنه التعرّج بين الرصاصات وتفاديها بليونته الرهيبة على غرار ما فعل الممثل كيانو ريفز في فيلمه الشهير «ذا مايتريكس».
طبعاً، كُتب الكثير عن ميسي في 2011، وحجم الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام عنه تشير بوضوح إلى أنه كان حديث الناس طوال 12 شهراً؛ إذ نادراً جداً ما مرّت 24 ساعة من دون أن يظهر نبأ يتناول «البرغوث» المزعج لخصومه والمحبوب عند زملائه ومواطنيه ومشجعي فريقه، لا بل عند «أعدائه» من محبي اللعب الجميل. فميسي هو «إله الفن الكروي»، وبلمحاته يمكنه كسب الأصوات المؤيدة له؛ إذ لن تكون الألقاب يوماً هي التي تصنّفه إذا ما كان الأفضل أو لا، ولو أن جزءاً مهماً من شروط الفوز بالجائزة يستند إلى ما حصده اللاعب من كؤوس خلال سنة كاملة. بالتأكيد، ميسي ليس بحاجة إلى الكؤوس لإثبات أنه الموهبة الأعظم في العالم؛ ففي العام الماضي قاد زميلاه في برشلونة شافي هرنانديز وأندريس إينييستا القافلة الكاتالونية معه، لا بل فعلا أشياء أكبر بقيادتهما منتخب بلادهما إسبانيا إلى التتويج بكأس العالم. لكن في نهاية المطاف وقف أحدهم إلى يمينه والآخر إلى يساره وصيفين.
حكاية الألقاب ستبقى موجودة دائماً على أجندة ميسي يومياً. كيف لا وهو المطالب بالوصول إليها عند كل صافرة بداية أي مباراة. وتكبر المسؤولية على هذا الصعيد عند ارتدائه قميص المنتخب الأرجنتيني، حيث يأخذ كثيرون عليه مسألة فشله معه، لا بل يذهبون بعيداً من خلال القول إن ميسي لا يستطيع فعل تلك الأشياء الخارقة مع منتخب بلاده لعدم وجود شافي وإينييستا حوله هناك. وفي هذا السياق، كثرت النكات أيضاً حول هذا الموضوع، فسرد أحد الفكهاء «أن ليو دخل يوماً لممارسة الجنس مع إحدى الفتيات، فطلب منها الانتظار قليلاً ريثما يستدعي صديقيه، وعندما سألته عن السبب، أجابها بأنه لا يستطيع القيام بأي شيء من دون شافي وإينييستا».
كذلك، يشير آخرون إلى أن ميسي لن يقف في صف العظماء قبل أن يحمل كأس العالم على غرار ملهمه دييغو أرماندو مارادونا، الذي يوم حلوله ثانياً خلف رونالدو في السباق إلى جائزة 2008، اتصل به قائلاً: «اسمعني جيداً، هذه هي المرة الأخيرة التي سأسمح لك فيها باحتلال المرتبة الثانية خلف أيٍّ كان. هل هذا واضح؟».
منذ ذاك اليوم، دهس ميسي الجميع في طريقه فائزاً في كل شيء، سامعاً كلمات لم يتلفظ بها مارادونا تجاه أي من أولئك اللاعبين الأرجنتينيين الذين لمعوا ولقبّوا بـ«مارادونا الجديد». دييغو العظيم قال دائماً إن ميسي أعظم منه موهبة، وهو الوحيد القادر على قيادة الأمة إلى المجد مجدداً.
هي مسؤولية كبيرة ملقاة على أكتاف ابن مدينة روساريو، وازدادت بشكلٍ كبير حديثاً بعد منحه شارة القائد. هي مسؤولية ضمن سياق قدر حياة ميسي، الذي كان بإمكانه اختيار الجنسية الإسبانية بحكم وصوله إلى البلاد طالباً العلاج من قصر في النمو (بلغت كلفته 900 دولار أميركي شهرياً) أُصيب به عند بلوغه الحادية عشرة من العمر. ففي اليوم الذي خضع فيه للتجربة مع برشلونة، لم يكن المدرب المعروف كارليس ريكساش حاملاً أي ورقة في يده، فلم يجد سوى محرمة لخطّ عقدٍ ربط به «الدجاجة» التي تبيض ذهباً بمزرعة «لا ماسيا» الشهيرة حيث تخرّج أفضل لاعبي برشلونة.
هناك لم يفكر ميسي يوماً بارتداء قميص منتخب إسبانيا، رغم أن كثيرين من أبناء جيله أو أولاد المهاجرين حلموا بهذا الأمر، وهو حتى لم يندم قط على أنه لم يقدم على هذه الخطوة التي كانت ستمكّنه من حصد المجدين الأوروبي والعالمي مع «لا فوريا روخا». بقيت أحلام ميسي كلّها معلّقة بصورة مارادونا عقب المباراة النهائية لمونديال المكسيك 1986. صورة لا تغيب عن البال بدا فيها دييغو رافعاً الكأس بيمناه ومزيّناً ساعده الأيسر بشارة القائد.
«إنه لسرور كبير لي أن أفوز للمرة الثالثة. إنه لشرف كبير». كلمات بسيطة قالها ميسي عقب تسلّمه الكرة الذهبية أمس، وهي تعكس بساطة صاحبها على أرض الملعب وخارجه؛ فهو فائز بالأخلاق قبل فوزه بالألقاب.
ميسي الإنسان هو ميسي اللاعب، حياء وتواضع ووديّة يمكن لمسها عند لقاء «ليو» وجهاً لوجه؛ إذ يبدو أحياناً ـــــ لشدة خجله ـــــ كأنه يتفادى النظر مباشرة في عيني
محدّثه.
محظوظ من لعب إلى جانبه، ومحظوظ من التقاه والتقط صورة معه، ومحظوظ من شاهده بأم العين يصنع المعجزات على البساط الأخضر.
ليونيل ميسي هو القصة التي سيخبرها الآباء والأمهات لأولادهم في المستقبل لكي يتشبثوا بكل أملٍ في الحياة والسير على درب النجاح، قصة فتى قاوم المرض ومصاعب الهجرة وكل الظروف الصعبة ليكتب قصته الأسطورية.
محظوظ من سيسمع هذه القصة الحلم، لكن محظوظ أكثر من كان حيّاً وتابع فصولها التي لم تنتهِ بالتأكيد في نهاية سنة 2011.