لا يسقط من بال كلّ من عرض تاريخ كأس العالم، تلك الموقعة التاريخية الكلاسيكية التي جمعت بين منتخب مقاتل اسمه ألمانيا الغربية وآخر شجاع يدعى فرنسا في الدور نصف النهائي لمونديال 1982 (انتهت 1-1 في الوقت الأصلي و3-3 في الوقت الإضافي). بيار ليتبارسكي وكارل هاينتس رومينيغيه وكلاوس فيشر ومعهم الحارس هارالد «طوني» شوماخر الذي تصدى للركلة الترجيحية التي سددها ماكسيم بوسيس، مانحاً زميله ملك الألعاب الهوائية هورست هروبيش فرصة تسجيل الركلة الحاسمة، كانوا من صنّاع إنجاز عبور «المانشافت» إلى المباراة النهائية لمقابلة إيطاليا البطلة (1-3). أما من الناحية الفرنسية، فقد كان هناك ميشال بلاتيني وماريوس تريزور وألان جيريس وجان تيغانا ودومينيك روشتو الذين خرجوا دامعين...


بعد هذه المرحلة، وحتى يومنا هذا، عرف المنتخبان لحظات ذهبية وأخرى سوداء، لكن لقب «المنتخب الكبير» لم يسقط عن ايٍّ منهما لتبقى كل مواجهة بينهما مرتقبة، وهذا ما ينطبق على مباراة الليلة التي تحمل أهمية قصوى للمدربين، الألماني يواكيم لوف والفرنسي لوران بلان، لا من حيث النتيجة، بل لدواعٍ استراتيجية.
الأولوية عند لوف وبلان تبدو متشابهة إلى حدٍّ ما، وهي تتمحور حول تكوين رؤية للتشكيلة النهائية لكـأس أوروبا التي تستضيفها بولونيا وأوكرانيا الصيف المقبل. وإذ يبدو مؤكداً معرفة الرجلين بصورة اللاعبين الـ11 الأوائل الذين يملكون أفضلية بدء المباراة كأساسيين، فإن الخلاصة التي ينشد كلٌّ منهما الحصول عليها من هذا اللقاء، هي كيفية التفاعل أمام منتخبٍ كبير إن طرأت غيابات مؤثرة في مراكز حساسة على التشكيلة الأساسية.
وهذا ما سيختبره لوف تحديداً، الذي سيكون الليلة من دون أربعة من أكثر اللاعبين خبرة في صفوف «المانشافت»، هم: الكابتن الظهير الأيسر فيليب لام ونائبه قائد خط الوسط باستيان شفاينشتايغر والمهاجم لوكاس بودولسكي والمدافع بير ميرتساكر، وهؤلاء يجمعون بينهم ما يوازي 349 مباراة دولية!
كذلك، قد يلعب لوف من دون لاعب الوسط، المدافع سامي خضيرة والهداف ميروسلاف كلوزه اللذين يعانيان من إصابات طفيفة. لكن كل هذه الغيابات قد تسجل نقلة إيجابية له، وهو الذي أحدث ثورة في المونديال الأخير عندما قلب ابتعاد القائد السابق ميكايل بالاك بسبب الإصابة، إلى نقطة قوة برزت إلى الساحة، مسعود أوزيل وشركاؤه الذين كانوا يستحقون التتويج باللقب برأي الكثيرين. لذا، سيكون المدرب «الأنيق» أمام مشروع خلط التشكيلة باللاعبين أصحاب الخبرة وأولئك الوافدين الجدد أو نظرائهم الذين لم يأخذوا فرصة كبيرة في الماضي القريب بسبب ثبات مستوى الأساسيين.
من هنا، سيكون الباب مفتوحاً مثلاً أمام النجم القادم في الكرة الألمانية ماركو رويس، الذي يعدّ بحسب الإحصاءات أحد أخطر المهاجمين في أوروبا حالياً عبر تسجيله 16 هدفاً وتمريره ثماني كرات حاسمة في 25 مباراة لعبها مع بوروسيا مونشنغلادباخ هذا الموسم.
وفي غياب الموهوب الآخر ماريو غوتزه أيضاً لإصابته، يفترض أن يشغل رويس مركز الجناح الأيمن لا كما جرت عليه العادة مع ناديه، حيث يلعب في مركز الوسط المتقدّم إلى خلف المهاجمين.
ورغم صعوبة المهمة التي ستسند إليه في مواجهة ظهير أيسر قوي هو باتريس إيفرا، فإنه من دون شك سيبذل «رولس رويس» كل جهده من أجل اقناع لوف بأنه يستحق مركزاً اساسياً في «يورو 2012».
وهذا ينطبق أيضاً على أندريه شورله الذي لطالما حلّ بديلاً لبودولسكي على الجناح الأيسر رغم أنه يشغل مركزاً مختلفاً في فريقه باير ليفركوزن. لكن رغم ذلك، قدّم شورله مستوى طيّباً منصّباً نفسه الورقة الرابحة في «المانشافت».
وإذا كانت المنافسة على المراكز تترك إيجابياتها على الألمان، فإنها غير موجودة ناحية «ديوك» فرنسا بالنظر إلى مرور الكرة الفرنسية بحالة ركود ناحية الدفع بمواهب على مستوى دولي عالٍ. وربما لهذا السبب استدعى بلان المهاجم المخضرم لويس ساها (33 عاماً) الذي لم يخض أكثر من 19 مباراة مع فرنسا سابقاً، وذلك في ظل ابتعاد المصابين كريم بنزيما وبديله في الهجوم لويك ريمي. لكن «البريزيدان» لم يُسقط من حساباته تجربة عناصر أخرى لرؤية مدى ردة فعلها على الصعيد الدولي بعدما برزت بنحو لافت محلياً، ومنها متصدر هدافي «ليغ 1» أوليفييه جيرو الذي يستحق من دون شك مقعداً في التشكيلة الأوروبية.
وإذا كان الفنيون يتطلعون إلى المستقبل، فإن التاريخ لن يسقط من بال جمهوري المنتخبين الليلة، وخصوصاً الألمان الذين تفوّقوا على فرنسا ألقاباً على مدار التاريخ، لكن ليس في المواجهات المباشرة بينهما التي بلغ عددها 23 مباراة، حيث فازت فرنسا في 10 مقابل 7 لألمانيا.




بلان: ألمانيا تفوقنا

رغم التطوّر الواضح الذي أصاب فرنسا التي لم تتذوق طعم الهزيمة في مبارياتها الـ17 الأخيرة، يرى لوران بلان أن منتخبه لا يزال بعيداً عن ركب الأقوى أوروبياً، وتحديداً إسبانيا وألمانيا. وتحدث عن الأخيرة قائلاً: «من الجميل اللعب ضد أحد أقوى المنتخبات. لقد مروا بمرحلة صعبة من 1998 وحتى 2002، لكنهم عادوا بسرعة وهم الآن بين الأفضل في العالم».