صحيح أن مباريات "إل كلاسيكو دي لوس كلاسيكوس" كانت دائماً حامية الوطيس منذ أن ظهر برشلونة وريـال مدريد على ساحة كرة القدم الإسبانية. وصحيح أيضاً أن اختلاط المشاكل السياسية والاجتماعية وانسحاباً إلى تلك الرياضية زاد من حماوة اللقاء الأشهر في عالم المستديرة، لكن هناك رجلٌ واحدٌ أثّر في "إل كلاسيكو" أكثر من غيره وأثّر في تلك المنافسة التاريخية التي لن تنتهي حتى زوال أحد عملاقي الكرة الإسبانية يوماً ما.
إنه "الهولندي الطائر" يوهان كرويف الذي جاء إلى برشلونة مطلع السبعينيات (1973) من أياكس أمستردام ليغيّر من وجه النادي الكاتالوني ومعه عالم الكرة من دون أي مبالغة.
ويكفي أن نقول إنه قبل كرويف، في 71 سنة من تاريخ "البرسا"، أحرز هذا النادي 42 لقباً، لكن مع وصول الفيلسوف النابغة، وحتى وفاته، حصد "البلاوغرانا" عدد الألقاب نفسه، لكن في 27 سنة فقط!
لذا، لم يكن مفاجئاً أن يحوّل برشلونة كل النادي إلى مزارٍ لتقبّل التعازي بالراحل الكبير، ولم يكن مفاجئاً أن تكون كل التحضيرات لـ "كلاسيكو" الليلة مرتبطة باسم كرويف، الذي سيُكرّم من قبل الجمهور واللاعبين وكل من سيحضر، حيث ستكون عبارة "شكراً كرويف" بالكاتالونية العنوان الكبير على قميص "البرسا" وفي مدرجات الملعب، حيث سيكون الرقم 14 أيضاً الزينة الأساسية.
فعلاً برشلونة وعالم الكرة مدينٌ لكرويف، فهو الذي أضرم النار في "إل كلاسيكو" وجعل منه الحدث الكروي الأبرز على صعيد الأندية على وجه هذه الأرض، وذلك منذ أن وطئت قدماه ملعب "سانتياغو برنابيو" عام 1974 ليهندس ما عُرف بـ "لا مانيتا" (في إشارة إلى عدد أصابع اليد)، عندما فاز الكاتالونيون على المدريديين بخماسية تاريخية، جعلت كل من ارتدى قميص "البرسا" من بعدها يحلم بنسخ ذاك الإنجاز العظيم الذي يؤكد بحسب هؤلاء تفوّق كاتالونيا على العاصمة الإسبانية.
برشلونة تمكن من تكرارها وحقق نتائج عريضة من بعدها في انتصاراته على الريـال، لا بل إنه بسط تفوّقاً كبيراً على غريمه الأزلي في العصر الحديث للعبة، امتداداً إلى مباراة الذهاب بين الفريقين هذا الموسم حيث كان الفريق الأزرق والأحمر قريباً من تكرارها في قلب العاصمة عندما دكّ شباك الريـال برباعية نظيفة.

فضل كرويف ليس على برشلونة فقط، بل على العالم

الفضل في تكرارها والفضل في كل شيء إلى كرويف قبل أي أحدٍ آخر. وهذا الأمر يدركه الكاتالونيون تماماً، وخصوصاً بعدما أصبح ارتباطه ببرشلونة أبعد من مجرد ارتباطٍ كروي، فهو تحوّل نصيراً للقضية الكاتالونية المطالبة بالانفصال، وأطلق على نجله اسم جوردي (دافع عن ألوان برشلونة بين 1992 و1996)، واستقر في المدينة المتوسطية وفارق الحياة فيها.
لكن الحياة الكروية هو من صنعها، ليعيد صناعة اللعبة بشكلٍ عام من بوابة ملعب "كامب نو"، إذ قبل قيادته برشلونة إلى اللقب الأوروبي الكبير عام 1992، كان قد أوعز إلى المسؤولين بإنشاء ما يعرف اليوم بـ "لا ماسيا"، فأطلت الأكاديمية الشهيرة ابتداءً من عام 1979، وتحوّلت نسخة مطوّرة عن تلك التي كانت موجودة في أياكس وما زالت تخرّج أبرز نجوم الكرة الهولندية حتى يومنا هذا. من "لا ماسيا" أطلّ جوسيب غوارديولا وشافي هرنانديز وسيرجيو بوسكتس واندريس إينييستا والأرجنتيني ليونيل ميسي وغيرهم ممن يصنعون عظمة كرة القدم حالياً. وكانت فلسفة كرويف تختصر بزرع الأسلوب نفسه في كل لاعبي الفئات العمرية، ما يسهّل عملية تحوّلهم إلى الفريق الأول واندماجهم معه من دون أي مشكلات، فكان أسلوب الـ "تيكي تاكا" الشهير والاحتفاظ بالكرة والسيطرة عليها بأكبر نسبةٍ ممكنة ثم التمرير الدائم، والمرهق للخصوم.
فعلاً أعاد كرويف اختراع اللعبة، وذلك من خلال خليط أساليب ناجحة، فجمع المهارة الإسبانية باللعب الشامل الهولندي والقوة البدنية الألمانية التي عرفها عن كثب في مواجهات منتخبه وناديه مع ألمانيا وبايرن ميونيخ، فألّف "الفريق الحلم" مع غوارديولا والهولندي رونالد كومان والدانماركي ميكايل لاودروب والبرازيلي روماريو... وانتظر.
انتظر ماذا؟ انتظر نضج الثمار التي زرع بذورها، وجلس مستمتعاً ومبتسماً عندما رأى "بيب" يعمل بتعاليمه ويتفوّق عليه بجلبه 15 لقباً إلى النادي (مقابل 11 لكرويف). غوارديولا نفسه كان قد علّق على موت كرويف بالقول: "قبل لقائي به لم أكن أعلم شيئاً عن كرة القدم".
كذلك جلس قبل 4 أشهر وهو على فراش المرض يخفّف من آلامه في صراعه مع المرض الخبيث من خلال جرعات الفخر التي شعر بها وهو يرى المدرب الحالي لويس إنريكه يحافظ على الإرث.
فضل كرويف ليس على برشلونة فحسب، فأولاده أخذوا أسلوبه معهم إلى إسبانيا وحملوها إلى المجدين العالمي والأوروبي. وتلميذه النجيب غوارديولا أخذه إلى بايرن ميونيخ الذي زرعه في منتخب ألمانيا ليحصد الأخير أيضاً ثمار تلك الفلسفة التي أسهم بها يوماً بشكلٍ أو بآخر.
ببساطة، الليلة هي ليلة البكاء على من صنع ولا يزال يصنع الفرح والمتعة في عالم الكرة.