قصير القامة، خجول، متواضع. ربما هذه الصفات لا تتناسب مع مواصفات القائد في الميدان، فكيف الحال إذا كان صاحب هذه الصفات قائداً لأحد أهم المنتخبات العالمية، ونعني هنا المنتخب الألماني؟ لكن فيليب لام يمضي قدماً في قيادة السفينة الألمانية في كأس أوروبا 2012 بنجاح واقتدار.


وبعد بداية بطيئة في الـ«يورو» أمام البرتغال، تصاعد أداء لام تطوراً في المباريات اللاحقة، وصولاً إلى المباراة الأخيرة أمام اليونان في ربع النهائي حيث كان القائد حاضراً بقوة عندما افتتح التسجيل لـ«المانشافت» بعد سلسلة من الفرص التي أربكت الألمان لعدم ترجمتها إلى أهداف، لكن القائد قال كلمته بتسديدة رائعة من خارج منطقة الجزاء انفجرت في الشباك اليونانية على غرار هدفه الشهير في مونديال 2006 في بلاده في مرمى كوستاريكا في المباراة الافتتاحية. وما دام الحديث عن أهداف لام، تجدر الإشارة إلى أن هدفه في مرمى اليونان كان الخامس في مسيرته، علماً بأن هذه الأهداف كان يفرق بينها سنتان، حيث كان باكورة أهدافه في 2004 ثم في 2006 فـ 2008 فـ 2010 إلى هدفه الأخير في هذه البطولة. أضف إلى ذلك، أن لام بات ثالث مدافع في التاريخ يسجل في نسختين في كأس أوروبا بعد الفرنسي لوران بلان في 1996 و2000 والبرتغالي بيبي في 2008 و2012.
وبين اللعب في مركز الظهير الأيمن الذي اعتاده أخيراً، واللعب في مركز الظهير الأيسر مركزه الأساسي، دخل لام كأس أوروبا والحيرة تعتريه. لكن «الكلمة السر» أتت من المدرب الفذّ، يواكيم لوف، الذي ارتأى إعادة القائد إلى مركزه السابق لعدم وجود البديل المناسب له في هذا الموقع مع إسناد الجبهة اليمنى لجيروم بواتنغ. وهكذا، كان لام عند حسن ظن مدربه حيث أثبت مرة جديدة أنه مثال للاعب الذي «يقع واقفاً» أينما وُضع، إذ في الوقت الذي تخوّف فيه كثيرون من تأثير هذا الأمر على مردود لام بعد أن اعتاد شغل الرواق الأيمن في الآونة الأخيرة مع فريقه بايرن ميونيخ، حيث كان يتيح له التوغل أكثر في منطقة الخصوم من خلال قدرته على تغيير مسار الكرة من القدم اليمنى التي ينطلق بها إلى اليسرى، الأمر الذي كان يسبّب إرباكاً للخصوم، نجح لام في الرهان وفي الإعادة إلى الجبهة اليسرى الألمانية رونقها.
لكن ثمة من يتوقف طويلاً عند قدرات لام القيادية، ويعتبره غير جدير بها بعد تسلمه شارة القائد في 2010 خلفاً لميكايل بالاك الذي تعرض لإصابة قبل مونديال جنوب أفريقيا، ومن ثم أُبعد عن المنتخب بقرار من لوف. فما يراه هؤلاء أن لام يفتقد إلى شخصية بالاك أو لوثار ماتيوس أو أوليفر كان القيادية حيث لا يفقه لغة المشاكسة أو الاعتراضات التي غالباً ما اشتهر بها القادة في الـ«مانشافت»، إلا أن لام، الذي عادل رقم النجمين السابقين يورغن كلينسمان وتوماس هاسلر في عدد المباريات في كأس أوروبا بقميص ألمانيا (13 مباراة)، يبدو غير ممتعض من هذه الآراء، حيث لا يخفي أن شارة القيادة لم تكن هدفه يوماً وأنه يعتمد على أسلوب مختلف في علاقته مع زملائه مبني على التفاهم، كذلك فإنه يحرص على تنفيذ تعليمات الجهاز الفني بحذافيرها، وهذا الأمر يجعله مثالاً لزملائه الذين يبدون مجبرين على تقليده باعتباره قائدهم، وهذا ما يعود بالدرجة الأولى بالفائدة على المنتخب ككل، بعدما رأينا أن الشخصية القوية قد تكون سيفاً ذا حدين، وهذا ما حصل بالضبط مع بالاك حين تلقى صفعة على وجهه من زميله لوكاس بودولسكي عندما كان يوجه إليه التعليمات خلال مباراة المنتخب الألماني أمام نظيره الويلزي في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2010.
إذاً، لام قائد «استثنائي» للمنتخب الألماني. قائد لا يفقه القسوة ولا يتقن سوى لغة الهدوء. قائد لا يجده البعض مناسباً لألمانيا، لكنه في نهاية المطاف قائد محبوب من زملائه على ما يجمع عليه هؤلاء، وهذا الأهم.