لشبونة | لا يختلف المشهد الكروي كثيراً بين العاصمة البرتغالية لشبونة، ومدينة فارو التي تبعد عنها حوالى 217 كيلومتراً، إذ إن الحديث نفسه يمكن أن تسمعه من غالبية الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين سن المراهقة والعقد السادس من العمر، وهو يتمحور حول كرة القدم البرتغالية دون سواها، وكأن البرتغاليين لا يهمهم ما يجري خارج حدودهم، إذ تقتصر متابعتهم للبطولات الوطنية الأخرى في أوروبا على مشاركات بعض نجومهم مع فرقٍ ذائعة الصيت، وعلى رأسهم كابتن المنتخب الوطني كريستيانو رونالدو نجم ريال مدريد الإسباني.


من هنا، لا يجد أي مواطن يسكن الغارف (اقتبست اسمها من اللغة العربية، وتحديداً كلمة الغرب) وتلك المدن السياحية المحيطة بها والمتمركزة على ضفاف الأطلسي أمثال فارو وبورتيمارو والبوفيرا ولاغوش، أي عناء في تكبّد مشقة السفر بواسطة السيارة لمدة ساعتين ونصف على الأقل من أجل بلوغ العاصمة ومشاهدة مباريات بنفيكا وسبورتينغ لشبونة مثلاً، إذ هناك برأيهم تتمركز المتعة الكروية التي يجد البعض لها حدوداً أبعد يرسمها باتجاه مدينة بورتو، التي يهدد فريقها دائماً القطبين الآنفي الذكر.
ومن أرصفة المقاهي في لشبونة الى حانات الغارف وضواحيها، يبدو المشهد متطابقاً، لكن بصورة تقنية مختلفة، إذ هناك من يجلس في مقاهي العاصمة يتصفّح صحيفة «أبولا» الرياضية الواسعة الانتشار، مطّلعاً على آخر أخبار فرق الدوري، بينما يتجمهر الشبان في أحد «بارات» لاغوش حول شاشة كمبيوتر، حاملين كؤوسهم ويقلّب أحدهم صفحات الموقع الإلكتروني للصحيفة عينها، متابعين حتى النقل المباشر للمباريات الودية التي تخوضها الفرق البرتغالية استعداداً للموسم الجديد!
اتفاق وانقسام
وإذا كان البرتغاليون يتفقون على التعلّق ببطولتهم وإعطاء فرقهم المحلية أولوية المتابعة على غيرها من تلك الفرق الخارجية التي تأسر العالم بأكمله، فإنهم يتفقون أيضاً على وحدتهم عندما يتعلّق الأمر بالمنتخب الوطني، حيث تسقط كل ألوان الأندية ويعلو العلم البرتغالي، وهذا ما يؤكده سائق الأجرة مايكل أنجلو سورايا المتعصّب لفريق بنفيكا، والذي بشكلٍ مدهش كان يشيد برونالدو، معتبراً إياه أفضل لاعب في العالم، إذ لدى سؤاله عن سبب حماسته المنقطعة النظير للاعب ارتدى ألوان الفريق الغريم سبورتينغ لشبونة يردّ: «يا صديقي، عندما يرتدي هؤلاء اللاعبين اللون النبيذي (نسبة الى قميص المنتخب البرتغالي) لا نراهم سوى أنهم أهم من أي نادٍ نشجعه، وهو أمر يتفق عليه جميع متابعي كرة القدم في البلاد، والدليل أن متجر بنفيكا شرع في بيع قمصان منتخب البرتغال التي تحمل اسم رونالدو خلال كأس أوروبا الأخيرة».
وعند الحديث عن كأس أوروبا، يبدي المتحدث عينه سروره لما حققه المنتخب البرتغالي «الوحيد الذي جعل إسبانيا تشعر بالخوف» على حدّ قوله، مضيفاً: «كان من الجميل رؤية الإسبان يرتعدون خوفاً ويشعرون بالخطر. أعتقد أن الحظ وقف الى جانبهم في تلك الليلة».
ومن هذه المحطة، ينتقل الحديث عن رفعة أداء المنتخب البرتغالي وتطوره المطّرد، وهذا يعود الفضل فيه الى الأندية المحلية، التي تعير اهتماماً واسعاً للأكاديميات، لكن استفزاز مايكل أنجلو كان سهلاً هنا، إذ إنه في «يورو 2012» كان دور لاعبي بنفيكا هامشياً، بحيث ضمّت تشكيلة المدرب باولو بنتو لاعبين فقط من الفريق الأحمر، هما الحارس الاحتياطي إدواردو والمهاجم نيلسون أوليفيرا.
سبورتينغ صاحب الفضل
إذاً، من هو صاحب الفضل الأكبر من الأندية البرتغالية على المنتخب الوطني؟
سؤال يجيب عنه جورج بلاسينتا مالك أحد مطاعم الـ«تاباس» في لاغوش، معتبراً أن سبورتينغ لشبونة الذي أهدى البرتغال رونالدو قام بتقديم خدمة جليلة لـ«السيليساو» لأن المداميك الأساسية للتشكيلة الحالية أزهرت في أكاديمية النادي المذكور، الذي خبا وهجه أمام بورتو وبنفيكا وحتى سبورتينغ براغا في الأعوام القريبة الماضية.

وفي كلام بلاسينتا الكثير من الحقيقة، لأنه إذا عدنا الى العصر الحديث للعبة نجد أن سبورتينغ قدّم للبرتغال نجوماً كباراً، أمثال لويس فيغو ورونالدو ولويس ناني الذين أتحفوا الكرة الأوروبية بإبداعاتهم مع أهم الأندية. وإذا عدنا الى كأس أوروبا الأخيرة، نجد أن «إنتاجات» سبورتينغ لشبونة كانت الدماء التي أحيت المنتخب البرتغالي، إذ الى جانب رونالدو وناني، لعب ميغيل فيلوسو، المنتقل حديثاً من جنوى الإيطالي الى دينامو كييف الأوكراني، دوراً رائعاً في خط الوسط، ومثله جواو موتينيو، الذي صحيح أنه يدافع عن ألوان بورتو حالياً، لكنه خرج من رحم «ألكوشيتي» (اسم أكاديمية سبورتينغ)، على غرار زميله سيلفستري فاريلا الذي نشأ في سبورتينغ، ثم انضم الى الفريق الذي ينتمي الى ثاني أكبر مدينة في البلاد، التي تبعد عن العاصمة 275 كيلومتراً. وهذا الأمر يعيدنا الى مايكل أنجلو الذي يتهكّم عندما يتعلّق الأمر بفريق بورتو، وخصوصاً عند القول إنه غالباً ما يقدّم المدربين المميزين، وآخرهم جوزيه مورينيو وأندريه فياش ــ بواش، فيأتي الردّ «إن أهم مدرب لبورتو هو رئيس النادي (جورجي نونو بينتو دا كوستا) الذي يعرف إغراء اللاعبين وجرّهم الى فريقه، إضافة الى معرفة استثماره لأمواله في أماكن أخرى»، غامزاً من قناة التشكيك بنزاهة بورتو الذي «يشتري كل شيء» برأيه.
وبلاسينتا يتحدث بدوره عن فضل سبورتينغ على هذا الصعيد، سائلاً ماذا قدّم بورتو من مدربين للمنتخب الحالي، موضحاً أن سبورتينغ أعطى بنتو فرصة اكتساب الخبرة التدريبية في 2005 عندما كافأه على فوزه مع فريق الشباب بالبطولة عبر منحه منصب مدرب الفريق الأول، فعمد الأخير الى ترفيع ناني وفيلوسو والحارس روي باتريسيو الى تشكيلته، فتحوّل هؤلاء أنفسهم الى عناصر أساسية في المنتخب الحالي، وقد سهّل هذا الأمر من تعامله معهم، وبالتالي إخراج نتائج مميزة.
ومهما يكن من أمر، فإن الكرة البرتغالية هي الرابح الأكبر من التسابق على تقديم المواهب، التي باتفاق جميع الأطراف ستنسي يوماً إبداعات «الفهد الأسود» أوزيبيو وجماعته الذين أحرزوا المركز الثالث في مونديال 1966.




حديث الشارع | رونالدو «فاسكو دا غاما» الكرة البرتغالية

إذا كان الجمهور البرتغالي المتابع لكرة القدم يختلف على أشياء كثيرة في ما خصّ واقع اللعبة في البلاد، فإن الإنصات الى أحاديث الرأي العام والشارع الكروي يوصل الى نهاية واحدة، مفادها اعتبار الجميع أن النجم كريستيانو رونالدو هو في طريقه ليكون أفضل لاعب عرفته البرتغال في تاريخها.
ويتغنى كلٌّ من المتحدثين عن رونالدو بمواطنه، واصفين إياه بأنه أهم شخصية في البلاد حالياً، وخصوصاً أن الأكثرية الساحقة من الناس لديهم اشمئزاز من السياسيين الذين حطّموا البلاد اقتصادياً بالسياسات الخاطئة التي اتبعوها، ما يجعل شعبية كابتن المنتخب الوطني وهداف ريال مدريد لا تضاهى.
ورغم أن البرتغال أنجبت أوزيبيو وروي كوستا ولويس فيغو، فإن نظرة العالم الى رونالدو تختلف عن كل هؤلاء، إذ يرى فيه البعض صورة «البطل»، ويصفه آخرون بـ«فاسكو دا غاما» الكرة القادر على الإبحار بالمنتخب الوطني الى حدودٍ لم يصل إليها أحد من قبل. ويتجاهل هؤلاء كل الأقاويل التي تنتقد الحضور العادي لرونالدو في البطولات الكبرى، مؤكدين أن العالم سيشهد له بأنه الأعظم عندما يخوض غمار نهائيات مونديال 2014 في البرازيل، حيث لا يستبعد أحد من أبناء البرتغال أن يصيب منتخبهم بقيادة «سي آر 7» أعظم نتيجة كروية على مرّ التاريخ.