قبل أيام، وتحديداً في 8 الجاري، وصلت رسالة الى اللجنة الأولمبية اللبنانية، مصدرها الولايات المتحدة الأميركية، من ناصيف بشروش، والد السبّاحة اللبنانية كاتيا بشروش، تتضن إبلاغاً للمسؤولين اللبنانيين باعتزال «السمكة الذهبية» كاتيا بشروش عن عمر 23 عاماً، أو بالأحرى عدم اللعب مجدداً تحت اسم لبنان. فمن المستغرب أن تعتزل سبّاحة في هذا العمر الذي يعتبر الفترة الذهبية لأي رياضي أو رياضية. لكن في لبنان، بلد التجاذبات والمصالح الشخصية، لا يمكن استغراب اعتزال أو هروب رياضية وهي في قمة عطائها. ففي الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه بشروش في مدينة اسطنبول التركية، حيث تشارك في بطولة العالم، كانت بطلة لبنان والعرب تتخذ القرار المر باعتزال السباحة باسم لبنان بعد فترة قصيرة من تمثيلها لبلدها لم تتجاوز العام. ففي كانون الأول 2011، أحرزت بشروش 6 ميداليات ضمن الدورة العربية في قطر (4 ذهب و2 برونز)، وفي آب الماضي كانت «سمكة لبنان» تشارك في أولمبياد لندن وتحقق أرقاماً جيدة. أما في كانون الأول الجاري، فكانت بشروش تعلن اعتزالها قرفاً من المسؤولين الرياضيين الذين حولوا مشاركتها في بطولة العالم الى محطة لـ«عض الأصابع» والابتزاز ومحاولة تسجيل النقاط والمكاسب بين الاتحاد اللبناني للسباحة ونادي الجزيرة الذي تنتمي بشروش إليه. فكل ذنب هذه السبّاحة البطلة أنها كانت تريد كتاباً من المراجع المحلية الرياضية لتسميتها كممثلة للبنان في بطولة العالم. لكن بما أن الاتحاد الجديد موقوف قضائياً بدعوى من نادي الجزيرة الذي طعن في الانتخابات الأخيرة، وبما أن السلطة المخولة بإصدار الكتاب هي الاتحاد المحلي، فإن الأخير رفض أن يوقع الكتاب خوفاً من ملاحقة قضائية له لكونه موقوفاً.
أما الجزيرة، فكان يريد من الاتحاد توقيع الكتاب بعيداً عن النزاع القضائي بين الطرفين. فكانت بشروش هي من دفعت الثمن في ظل التجاذب الحاصل. فاتحاد السباحة يريد كتاباً من نادي الجزيرة يطلب فيه من الاتحاد الجديد توقيع الكتاب، والنادي اللبناني لا يريد تقديم كتاب مماثل كونه يُعتبر اعترافاً بالاتحاد المطعون بشرعيته، وهو تماماً ما كان يريده الاتحاد كي يستعمله في قضيته العالقة مع الجزيرة. اللجنة الأولمبية تحركت بهدف الحفاظ على المصلحة اللبنانية وراسلت الاتحاد الدولي وأعلمته بالوضع القانوني للاتحاد وتطلب اعتماد كتاب منها للسماح لبشروش بالمشاركة في البطولة. وجاء جواب الاتحاد الدولي إيجابياً، قبل أن يلحق به كتاب آخر معاكس يطلب العودة الى الاتحاد المحلي، وقيل إنه أتى بناءً على اتصالات من الاتحاد المحلي بنظيره الدولي. وهو أمر نفاه الاتحاد الجديد، معتبراً أن «الفينا» صحّح خطأً وقع فيه موظف في الاتحاد الدولي.
وهنا بدأ «البازار»، وتحولت مشاركة بشروش الى ورقة ضغط ومقايضة بين الطرفين، وبدلاً من التفكير بطريقة تسمح للسباحة اللبنانية بالمشاركة في بطولة العالم، ركّز المسؤولون في اللعبة على كيفية حلّ أزمة الاتحاد وإعادة توزيع الحصص فيه، مقابل التنازل عن الدعوى أو استقالة جماعية للاتحاد والإتيان باتحاد جديد لا يوجد فيه أي تمثيل للفريق المعارض، وتحديداً نادي الجزيرة. أي أن القصة أصبحت أشبه بالمثل الشائع «الناس بالناس...».
ومع مرور الوقت، فقد لبنان فرصته في أن يكون حاضراً في بطولة العالم، إن كان عبر بشروش أو زميلها وائل قبرصلي أو نبال يموت أو عباس رعد أو أمينة محّو أو غيرهم بسبب تغليب المسؤولين في اللعبة من جميع الأطراف مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة.
والمؤسف أن هؤلاء المسؤولين تسابقوا للصعود مع بشروش الى القصر الجمهوري والتقاط الصور مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الذي كرّم البعثة اللبنانية التي شاركت في الدورة العربية في قطر حينها. وحينها، كما الآن، كانت المصلحة الشخصية هي الطاغية. ولا شك أن ذنب كاتيا وذنب لبنان في عنق هؤلاء الذين أفقدوا بلدهم «ثروة» رياضية من الصعب تكرارها.
وقد لا يكون ابتعاد بشروش عن وطنها رياضياً مستغرباً، فمسيرتها القصيرة مع المسؤولين الرياضيين كانت حافلة بالمعاناة، من المساعدات، الى بطاقات السفر، الى مراسلات مطلوبة الى الاتحاد الدولي لاعتمادها كلبنانية (كونها تعيش في الولايات المتحدة)، قبل أن تأتي بطولة العالم لتقضي على آخر أمل لها بأن تمثل بلدها وتحصد له الميداليات.
هي لحظة حزن جديدة في الرياضة اللبنانية، قد لا تكون الأولى، لكنها كفيلة بالتذكير مجدداً بواقع الرياضة المر ومسؤوليه الذين يصرّون على القضاء على أي بصيص أمل، حتى لو كان الثمن مكسباً في الاتحاد أو في انتخابات اللجنة الأولمبية.




لبنان يغيب عن بطولة العالم

لم ينجح الثنائي كاتيا بشروش ووائل قبرصلي في تمثيل لبنان في بطولة العالم، ليغيب العلم اللبناني عن اسطنبول، في وقت كان فيه بالإمكان المشاركة بثلاثة سباحين بعد سماح الاتحاد الدولي للبنان بزيادة حصته. لكن نادي الجزيرة الذي ينتمي إليه السباحان لم يكن يتوقع أن تنقلب عليه الدعوى المرفوعة من قبله على الاتحاد المحلي. أو بالأحرى لم يكن يتصوّر أن تتحول المصلحة اللبنانية الى مادة للمقايضة وتحصيل المكاسب وحلّ المشكلات على ظهر السباحين.