كانت كرة السلة بأنديتها ومنتخبها العنوان الأبرز في الرياضة اللبنانية خلال الاعوام الـ15 الأخيرة على الأقل. والأجمل أن صورة هذه اللعبة كانت تصبح اكثر زهواً سنة بعد اخرى بفعل التطور الذي اصاب الفرق، وبروز مواهب جديدة استطاعت حمل الشعلة والعودة دائماً بنتائج طيّبة على الساحة الخارجية. وهذه الإنجازات استقطبت قسماً كبيراً من متابعي الرياضة في لبنان، وخصوصاً اولئك الذين أصيبوا بقرف من مباريات كرة القدم وتركيباتها وامراضها التي شلّت اللعبة وأوصلتها الى العدم.

وما لا يمكن تخيّله هو الوقوف يوماً لاستعراض نقاط سلبية مشتركة بين اللعبتين، وخصوصاً عند الحديث عن المنتخبين الوطنيين الخاصين بكرة القدم وكرة السلة، إذ كما هو معلوم تنتفي اي مقارنة في الشكل والمضمون بين منتخبي القدم والسلة، وخصوصاً ان الثاني عكس دائماً صورة مشرقة عن الرياضة اللبنانية بحضوره اللافت بكل المعايير إقليمياً وقارياً وعالمياً.
لكن ما يحدث في المنتخب السلوي حالياً يشير الى أن اللعبة التي انخفضت أسهمها نسبياً في آخر موسمين على الأقل، بدأت تصاب بعوارض ما يمكن تسميته «مرض كرة القدم»، وذلك بعد تكدّس العوامل السلبية التي تضرّ بها، وعلى رأسها العامل المادي الذي يعدّ أساسياً لإعداد منتخب على المستوى المطلوب.
ومن استعدادات رجال السلة يظهر شريط تلك الصور الذي يعيدنا بالذاكرة الى اشهر قليلة عندما كان منتخب كرة القدم يعاني الأمرّين جراء الإهمال، وكان الشحّ المادي هو الاساس من دون ان يترك هذا الموضوع تململاً كبيراً بقدر الذي تركه حتى الآن على لاعبي السلة المعتادين «على الغنج» (بمعنى تأمين كل المتطلبات لهم بالمعايير الاحترافية).
«ما في مصاري». هذه هي العبارة التي سمعها لاعبو منتخب «بلاد الارز» اكثر من مرة، وخصوصاً عند سؤالهم عن السبب وراء حجز فندق متواضع لاقامتهم في تركيا، اذ كان المشهد كوميدياً بحسب احد اللاعبين الذي شبّه حجم الغرفة بمصعد المبنى الذي يقطنه في بيروت، بينما كانت الأسرّة لا تستوعب اقصر اللاعبين واصغرهم حجماً بسبب قياسها «الولادي». وهنا يشير اكثر من لاعب الى الموقف اللافت للمدرب غسان سركيس الذي لا يوفّر جهداً لدعم اللاعبين، وقد برز هذا الامر عندما طالبوا بتغيير الفندق (وهو أمر جرى في مرحلة لاحقة) حيث برزت فكرة توجيه كتاب موقّع من الجميع الى الاتحاد اللبناني سعياً لتحقيق هذا المطلب.
مشهدٌ آخر يحملنا من ملاعب السلة الى القدم مجدداً، وهو يختصّ بالتجهيزات، اذ صحيح ان اللاعبين لم يظهروا أشبه بقوس قزح خلال التمارين كما كانت الحال عليه في منتخب القدم، حيث ارتدى اللاعبون الواناً مختلفة قبل تجهيزهم بالمطلوب، فإن رجال السلة لم يحصلوا سوى على طقم واحد خاص بالتمارين خلال وجودهم في بيروت، وهو امر غير اعتيادي بالنسبة الى منتخب يستعد يومياً بمعسكرات داخلية وخارجية، علماً ان الطقم الثاني حصل عليه اللاعبون عند وصولهم الى تركيا.
وفي مسرح التمارين ايضاً لم تؤمّن البروتينات الضرورية للاعبين، ما يجعلهم يعمدون الى شرائها بأنفسهم، لذا فان المبلغ المتواضع (500 دولار) الذي حصلوا عليه لدى سفرهم لم يكن كافياً لتأمين هذه الحاجة، اضافةً الى ثمن الاتصالات التي يجرونها خلال وجودهم خارج الوطن، فضلاً عن ثمن الحذاء المخصّص للعب، الذي لا يقل سعره عن 200 دولار، وهي امور لم تحصل إطلاقاً في الحقبة السابقة.

العودة الى عام 2000

أما قصة التجنيس التي بدأت تنافس قصة «ألف ليلة وليلة» بطولها واحداثها المفاجئة، حيث ينام اللاعبون على اسم مجنّس قادم ويصحون على اسم آخر، فإن التعامل فيها لم يكن بطريقة مدروسة، ولو ان الجزء الاكبر من الضرر الحاصل كان سببه عملاء اللاعبين المرشحين للتجنيس، الذين غشّوا القيّمين، تماماً كما حصل في قضية توماس كولمان، إذ استُقدم الأخير من دون الاطلاع حتى على شكله، ليتبيّن لاحقاً انه لا يملك اياً من المواصفات المطلوبة. وهنا يبرز تعليق ساخر لمرجع رياضي كبير، انتقد فيه طريقة تعامل الاتحاد اللبناني بهذه المسألة قائلاً: «استقدام لاعب للتجنيس لا يشبه استقدام مدبّرة منزل، إذ إن الامر لا يجري عبر الاطلاع على صورته للموافقة عليه او رفضه».
وهذه الخطوة سبق ان أثبتت فشلها من خلال استقدام مايكل ساوثهول، الذي قدّم أداءً مخيّباً الى ابعد الحدود في دورة الملك عبد الله في الاردن، حيث بدا لاعباً لا يصلح للدفاع عن الوان ناد متواضع في بطولة لبنان.
وهنا يمكن التوقف عند مدى صحة خطوة التعاقد مع اجنبي لم يلعب يوماً في لبنان، إذ إن النموذج الأصح كان في تجنيس جو فوغل، الذي كان قد دخل في تركيبة لعب اللبنانيين من خلال مشاركته في البطولة المحلية، وبالتالي فان الانعكاس الايجابي فنياً خلال وجوده مع المنتخب كان اكبر بكثير من ذاك الذي افرزه وجود «خليفته» جاكسون فرومان مع لبنان، من دون الانتقاص من تقديم الاخير كل ما لديه خلال ارتدائه القميص الاحمر.
هذا المشهد يعيدنا الى كرة القدم، والى عام 2000 تحديداً، حيث عمد اتحاد اللعبة الى تجنيس «أعمى» وغير مدروس لتدعيم صفوف المنتخب الوطني عشية استضافة كأس آسيا، فكان البرازيليون جادير مورغنشترن وجيلبرتو دوس سانتوس ونيوتن دي أوليفيرا ولويس فرنانديز فضيحة بكل ما للكلمة من معنى، والدليل ان ايّاً منهم لم يتمكن في فترة لاحقة من ترك بصمة حتى في الدوري اللبناني صاحب المستوى المعروف، علماً ان مارسيلو ألفيس دا سيلفا كان افضلهم، بعدما برز مدافعاً جيّداً مع ناديي أولمبيك بيروت والحكمة.
ومن أسف بعض اللاعبين بسبب عدم إنهاء «حدوتة» المجنّس حتى يتسنى له اكتساب الكيمياء مع باقي افراد التشكيلة، وخصوصاً ان البطولة الآسيوية اصبحت على الابواب، فإن الأسف الاكبر يبقى الضبابية بشأن مسألة مشاركة فادي الخطيب من عدمها، إذ إن المنتخب يبدو مبتوراً من دون قائده الذي يمكنه اضافة خبرة غير موجودة في التشكيلة الحالية، حيث تطغى العناصر الشابة ويغيب «المغتربون»، حيث لا يحبّذ المدرب سركيس استقدامهم بسبب عدم انغماسهم في البطولة المحلية، بينما هم أنفسهم لا يحبّذون المجيء إذا لم توفّر لهم الشيكات.
وهنا يلفت قول خبير متابع للعبة منذ 1996 لتأكيد مدى الفراغ الذي سيخلّفه غياب الخطيب: «طالما التايغر بخير، كرة السلة والمنتخب بخير».
لا مبالغة في القول إن الخطر اصبح على مشارف أبواب ملاعب كرة السلة اللبنانية، حيث تتطلب الامور وقفة من جانب القيّمين للحفاظ على هيبة اللعبة على الصعيد الخارجي، والأهم الاتعاظ من المآسي التي اصابت كرة القدم، وأودت بها الى الحضيض، من دون ان تتمكن من العودة الى الحياة الطبيعية حتى الآن.




المنتخب

غادر منتخب لبنان أمس إلى قطر للمشاركة في دورة ودية استعداداً لبطولة الأمم الآسيوية الـ 26 التي ستقام في مدينة ووهان الصينية بين 15 و25 أيلول المقبل. وتضم البعثة جورج كلزي (إدارياً)، غسان سركيس (مدرباً)، مروان خليل (مساعداً للمدرب)، كريكور كريكوريان (إحصائياً)، خليل نصار (معالجاً فيزيائياً)، رباح نجيم (حكماً دولياً)، واللاعبون: رودريك عقل، غالب رضا، جان عبد النور، إيلي اسطفان، ميغيل مارتينيز، نديم حاوي، عبد الرحمن الفرخ، شارل تابت، باسل بوجي، روي سماحة، علي كنعان.
وسيخوض المنتخب في الدوحة مباراتين مع قطر ومباراتين مع سوريا.