يعتقد كثيرون أن الغريمين التقليديين في كرة القدم الأوروبية هما ألمانيا وإنكلترا، وذلك انطلاقاً من الغضب الذي لطالما ظهر على الألمان منذ اعتبارهم أن كأس العالم سرقت منهم عام 1966 بعد هدف جيف هيرست المثير للجدل. لكن حقيقة الأحداث تشير الى عنوانٍ آخر للحساسية، وهو مباراة ألمانيا وهولندا حيث تتعدى العصبية الإطار الرياضي لتتحول الى كراهية لم تخفّ نسبتها مع مرور الزمن.


وإذ يمكن اعتبار أن ردّة فعل الألمان هي بسبب شعورهم بالتهديد كروياً من قبل بلدٍ صغير لطالما قدّم مواهب رائعة الى عالم المستديرة، فإن الكره الهولندي الذي لا حدود له تجاه الألمان ناتج من احتلال القوات الألمانية للأراضي المنخفضة خلال الحرب العالمية الثانية وتنكيلهم بالهولنديين، الذين قُتل منهم حوالى ربع مليون شخص. هذه الأحداث خلقت رابطاً بين السياسة والرياضة، وتعزّزت مع هزيمة هولندا أمام ألمانيا الغربية (1-2) في المباراة النهائية لكأس العالم 1974، حيث وصفها الإعلام الهولندي بـ«أمّ الهزائم».
وبطبيعة الحال، التقى الألمان والهولنديون في 37 مباراة، 9 منها غير ودية، وكان الفوز فيها حليف الألمان في 13 مناسبة، مقابل 10 انتصارات للهولنديين و14 تعادلاً. لكن غالبية هذه المواجهات كانت مشبعة بالهتافات والمواجهات الخارجة عن الأطر الرياضية، سواء بين لاعبي المنتخبين أو مشجعيهما. والحقيقة أن آثار خسارة الهولنديين عام 1974 زادت من الحدة الموجودة عند هؤلاء، فكانت المعركة الشهيرة بين الحارس الألماني هارالد «طوني» شوماخر والهولندي هيوب ستيفنس عام 1980 وشهدت في جوانبها لكمة وجهها رينيه فان دي كيركوف الى عين النجم الألماني برند شوستر.

وبدا أن الهولنديين أثاروا غضب الألمان كثيراً عندما أطاحوهم على أرضهم في نصف نهائي كأس أوروبا 1988 (2-1) بالهدف القاتل للهداف الشهير ماركو فان باستن، فكان الردّ في ملعب «جوسيبي مياتزا» في الدور الثاني لمونديال 1990، حيث فاز «المانشافت» بنفس النتيجة في موقعة شهدت هدفاً جميلاً ليورغن كلينسمان الذي خطف الكرة الى الشباك، لتحقق بلاده بعدها فوزاً ثميناً في طريقها الى الظفر باللقب.
لكن الحادثة الأبرز في تلك الأمسية كانت بصق الهولندي فرانك رايكارد على الألماني رودي فولر، قبل أن يشدّه من شعره ليطردهما الحكم الأرجنتيني خوان لوستو، فوجّه رايكارد بصقة أخرى باتجاه فولر وهما في طريقهما الى خارج الملعب!
«قبل المباراة، تذكرت أيام كنت مراهقاً أشاهد التلفاز وأتابع ما فعله الألمان بنا. لقد أثار هذا الأمر غضبي، وأنا سعيد لتقديم هذه الهدية الى الجيل القديم الذي عاش الحرب». هذا ما قاله الحارس هانس فان بروكولين، عقب فوز هولندا بكأس أوروبا 1988، وفي تصريحه تأكيد كبير على مدى تأثير الحرب العالمية الثانية في نفوس الهولنديين.
أما الليلة، فتحمل المواجهة أبعاداً أكبر على الصعيد الكروي، إذ إن انغماس اللاعبين والمدربين الهولنديين في «البوندسليغا» لم يخفف من الحدّة الموجودة، وهذا ما أكده أمس كابتن بايرن ميونيخ السابق ومنتخب هولندا حالياً مارك فان بومل.
ويبدو أن وقوف الهولنديين أمام الألمان في تصنيف «الفيفا» هو أمر مزعج كثيراً لهؤلاء، ولقاء المنتخبين الليلة هو بالطبع مهم جداً لأن كلاً منهما يريد وضع النقاط على الحروف وكسب تفوّق بسيكولوجي على الآخر قبل أشهرٍ على انطلاق كأس أوروبا 2012 حيث يبدوان من المرشحين الأقوياء للظفر باللقب.
لم تكن مباراة ألمانيا وهولندا ودية يوماً، ولن تكون على هذه الصورة الليلة ولا حتى في المستقبل القريب، وللتأكيد على هذا الأمر يكفي تصريح النجم السابق فيم فان هانيغيم الذي ذكر في تصريح سابقٍ: «لا يهم إذا فزنا حتى 1-0 طالما أنه يمكننا إهانتهم. أنا أكرههم، لقد قتلوا والدي وشقيقتي وشقيقَيّ».




معارك إعلاميّة

لطالما ساهم الإعلام في تأجيج «الحرب الكروية» بين الألمان والهولنديين، وكان آخر المعارك في مونديال 2010 عندما احتفلت القنوات التلفزيونية الهولندية بخروج «المانشافت» من نصف النهائي، فكان الردّ الألماني بنقل مشاهد طويلة للبكاء في أمستردام، عقب خسارة «الأورانج» للمباراة النهائية أمام إسبانيا.