الجزائر في النهائي. ردود فعل كبيرة من المحيط إلى الخليج. الالتفاف حول المنتخب الجزائري، في كأس أمم إفريقيا، لم تعشه البلاد العربية منذ سنوات طويلة. الجميع يساند «المحاربين»، وجولة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد ذلك. اللاعبون قدموا أداءً بطولياً جعل الجميع يقف خلفهم، ومن يقود المنظومة الجزائرية الممتعة والمقاتلة في «أمجد البطولات الإفريقية» هو المحارب الأول، «محارب بالعقل، وليس بالعضلات»، أوصل منتخب بلاده إلى المحطة الأخيرة. جمال بلماضي يكتب التاريخ.

بإرادة وتركيز عاليين، تمكّن جناح نادي مانشستر سيتي الجزائري رياض محرز، من تسجيل الركلة الحرّة التي أهّلت منتخب بلاده الجزائر إلى المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الإفريقية 2019. قضى رياض على آمال النيجيريين الذين حلموا بالذهاب نحو الأشواط الإضافية، بعد أن انتهى الوقت الأصلي بالتعادل الإيجابي بنتيجة (1-1). ثوانٍ معدودة باقية، أطلق رياض رصاصته التي اخترقت الشباك النيجيرية. حالة من الجنون داخل الملعب وخارجه، مشاهد مؤثرة للمنتخب الجزائري من طاقم ولاعبين ومدرب، بعد أن أعلن الحكم نهاية المباراة. قدم لاعبو الجزائر أداءً بطولياً، والأكيد أن تكتيك المدرب جمال بلماضي وتوجيهاته، هما ما صنع الفارق.
بعد 2014، وتحديداً منذ الخروج من دور الـ16 من بطولة كأس العالم على حساب المنتخب الألماني، بدأ المنتخب الجزائري يعيش في أزمة داخلية وخارجية وفنية، ليتدهور حال «محاربي الصحراء» رويداً رويداً، ولكن يبدو أنّ المارد الأخضر عاد من جديد مع بلماضي.
منذ 5 سنوات، وتحديداً منذ المدرب البوسني وحيد هاليلوزيتش، وصولاً إلى المدرب الجزائري جمال بلماضي، لم يتسلم العارضة الفنية للمنتخب أي مدرب إلّا وكانت نهايته الإقالة.
بلماضي جاء وكان المنقذ، والمعجزة التي نزلت على الـ«خضر»، ووصلت الأمور إلى حدّ أن أعطته الجماهير لقب الرئيس المناسب للجزائر، وهذا الأمر أخذ الكثير من الأصداء الإيجابية هناك، وهو ما له أسبابه أيضاً.

يتقاضى جمال بلماضي راتباً شهرياً يقدر بـ108 آلاف يورو


تعيش بلاد المليون شهيد أزمة سياسية منذ أشهر، بسبب غياب التوافق على شخصيات لقيادة المرحلة الانتقالية بعد عبد العزيز بوتفليقة. وفي ظل هذه الأجواء الداخلية السياسية المشحونة، خرج بلماضي ليجمع الجزائريين من جديد، وهذه المرة تحت راية المنتخب. فبعد بلوغه النهائي، انتشرت الكثير من التغريدات على «تويتر»، تطالب مدرب المنتخب الجزائري جمال بلماضي بتحقيق اللقب الإفريقي الأغلى (كان آخر لقب للجزائر في الـ«كان» في 1990)، ومن ثم العودة إلى العاصمة الجزائر، والترشح لرئاسة البلاد، مع وعود من الجماهير بانتخابه رئيساً.
هذا الجنون كله بسبب بلوغ نهائي إفريقيا، هو نوع خاص من الانتماء، والحب الذي يظهره الجزائريون لصانع أفراحهم. الأكيد أن المدير الفني للمنتخب الجزائري جمال بلماضي، يصنع الحدث هذه الأيام، وذلك بتألقه التكتيكي اللافت في البطولة الإفريقية. سِجلّ نتائج مميّزة، إضافة إلى أداء قويّ سمح للجزائر ببلوغ المباراة النهائية دون أي خطأ يذكر. بلماضي من مواليد 25 آذار/ مارس 1976. أبصر النور في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، من أبوين جزائريين. خلال مسيرته لعب كرة القدم في مطلع الألفية الثانية مع مرسيليا الفرنسي ومانشستر سيتي الإنكليزي، وكان قائداً للمنتخب الجزائري. قبل تدريبه للجزائر، خاض بلماضي عدة تجارب تدريبية ناجحة في قطر، اعتباراً من 2013، مع لخويا، ثم الدحيل والمنتخب «العنابي» الرديف، ثم الفريق الأول الذي فاز معه بلقب كأس الخليج عام 2015.


إلى جانب حصول بلماضي على لقب أفضل مدرب خلال دور المجموعات من «الكان»، فإنه يتميّز بشيء آخر لا يقلّ أهمية عن لقب أفضل مدرب، وهو أنه أغلى مدرب عربي وإفريقي في الوقت الحالي. فوفق ما أعلن تقرير صحافي جزائري كشف عن الراتب الشهري للمدرب الأسبق لنادي الدحيل القطري، وكذلك الحوافز المالية الضخمة التي سيتقاضاها في حال قيادته الجزائر لنيل لقب بطولة الأمم الإفريقية على حساب المنتخب السنغالي في 19 يوليو/ تموز الحالي. وكشفت صحيفة «المحترف» الرياضية الجزائرية أنّ بلماضي يمتلك أفضل عقد وأغلاه من الناحية المالية في تاريخ الاتحاد الجزائري لكرة القدم، حتى إنه يتفوّق على جميع المدربين الذين مرّوا في تاريخ «الخضر»، وأبرزهم البوسني وحيد هاليلوزيتش والفرنسي كريستيان غوركوف. وأضاف المصدر عينه أن العقد الذي وقّعه بلماضي مع اتحاد الكرة الجزائري ينصّ على أن يتقاضى راتباً شهرياً يقدر بـ108 آلاف يورو، هي القيمة نفسها التي يتقاضاها مدرب المنتخب المصري، المكسيكي خافيير أغيري. يليهما كل من مدرب الكاميرون، الهولندي كلارنس سيدورف بـ96 ألف يورو، ثم الفرنسي إيرفي رونار مدرب منتخب المغرب بـ80 ألف يورو شهرياً. وأوضحت الصحيفة أن عقد بلماضي الممتد مع الجزائر حتى مونديال قطر 2022 يسمح له بالحصول على مبلغ 5.2 ملايين يورو، وهو أغلى عقد في تاريخ الاتحاد الجزائري، إذ حطّم الرقم السابق الذي كان بحوزة البوسني هاليلوزيتش، الذي كان يتقاضى شهرياً 100 ألف يورو.
وفي ما يخصّ كأس أمم إفريقيا 2019، كشفت الصحيفة الجزائرية أن بلماضي حصل على حوافز قدرها 150 ألف يورو لقاء تأهل الجزائر إلى نهائيات البطولة في مصر، مضيفة أنه نال مبلغ 200 ألف يورو أخرى بعد تجاوز عقبة ساحل العاج، والوصول إلى نصف النهائي، وأوضح المصدر ذاته أنّ اتحاد الكرة الجزائري كان قد وعد بلماضي بمنحه حوافز أخرى تصل إلى 230 ألف يورو في حال بلوغه المباراة النهائية، وهذا ما حدث فعلاً. ويضاف هذا إلى 250 ألف يورو في حال تمكُّن رياض محرز وزملائه من رفع اللقب القاري.
لا يمكن تبرير ما قام به بلماضي بـ«ضربة الحظ»، فما قدّمه هذا المدرب لمنتخب بلاده، خصوصاً بعد التجارب غير الناجحة الكثيرة التي سبقته، يستحق التقدير. ومن المتوقّع أن تكتمل هذه الفرحة بتتويج منتخب «محاربي الصحراء» بلقب البطولة على حساب المنتخب السنغالي الذي تمكّن بلماضي من الفوز عليه في دور المجموعات من البطولة ذاتها. عند تحقيق اللقب ستكتمل «البازل» بالنسبة إلى بلماضي، ليصبح في نظر الجزائريين بطلاً قومياً، أعاد الحياة من جديد إلى هذا الشعب الجزائري.


حسرة تونسية


الفرحة الجزائرية الكبيرة، قابلتها حسرة تونسية بعد الخسارة والخروج من نصف النهائي أمام المنتخب السنغالي. وشعرت جماهير نسور قرطاج بأنها تعرضت للظلم، خاصة بعد إلغاء ركلة الجزاء في الدقيقة 113 من عمر المباراة. وقال أحد المشجعين التونسيين: «كانت المباراة لمصلحتنا، لعبنا جيداً، لكن المباراة سُرقت منا بذريعة تقنية الفيديو». وذهب البعض أبعد من ذلك بالقول إن الاتحاد الإفريقي تعمّد إقصاء تونس، «لأنه كان يريد نهائياً بين نيجيريا والسنغال، لا يريد تونس في النهائي». وكان تذكيرٌ بالجدل الذي أحاط بمباراة الإياب للدور النهائي لمسابقة دوري الأبطال بين الترجي التونسي والوداد البيضاوي المغربي، وقرار إعادتها على أرض محايدة، على رغم اعتبار الفريق التونسي فائزاً بها بعد انسحاب لاعبي الفريق المغربي احتجاجاً على التحكيم.
ورغم الخيبة، حيّا مشجعون المنتخب الذي تمكن من بلوغ الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ تتويجه بلقبه الوحيد عام 2004 على أرضه.