انتهت البطولة باكراً بالنسبة إلى منتخب لبنان في كأس آسيا، فحضرت الخيبة ليس فقط عند اللبنانيين، بل عند الجهة المنظّمة للحدث القاري، حيث كان الجمهور اللبناني من أبرز جوانب نجاحها الجماهيري حتى الآن، وذلك بسبب حضوره الجيد على المدرجات، وعكسه صورة حضاريّة عن التشجيع قبل وخلال وبعد المباريات، وأيضاً لتعويضه غياب الحضور الكبير لمنافسيه الثلاثة الذين واجههم في دور المجموعات.

وبين العين ودبي والشارقة التي استضافت المباريات الثلاث، كان بالإمكان لمس سبب استقرار العدد الجماهيري الذي فاق الكثير من المباريات التي خاضها لبنان في بيروت وصيدا وغيرها من المناطق اللبنانية خلال الأعوام القريبة الماضية.
مجموعة من الشبان والشابات يتجمعون أمام حافلات كانت ستقلّهم إلى العين لمتابعة المباراة الأولى بين لبنان وقطر. قسم منهم يعيش في الإمارات والقسم الآخر جاء من لبنان أو بلدان الاغتراب الأخرى. حماسة كبيرة جعلتهم لا يوفّرون أي شيء لتنظيم صفوفهم والانطلاق لتشجيع منتخبهم. أمّا اختلاطهم ما بين مقيمين في البلاد المضيفة للحدث وآخرين قدِموا من الخارج، فهو ناتج عن تنسيق في ما بينهم لأشهرٍ طويلة، ما يعني أن الحضور اللبناني في المباريات لم يكن عفوياً بل كان مخططاً له وفق استراتيجية مدروسة. وعن هذه النقطة يتحدث فراس أبو حسن، وهو كان رأس الحربة في عمليّة تحفيز اللبنانيين للقدوم إلى الملعب والوقوف خلف منتخب بلدهم، فيقول في حديثٍ إلى «الأخبار»، «انطلق عملنا من صفحة الجالية اللبنانية في الإمارات على «فايسبوك» والتي تضمّ أكثر من 37 ألف لبناني، ثم قمنا بالتنسيق مع الرابطة في لبنان للاطلاع على حاجات القادمين من لبنان، وطبعاً للتنسيق في ما خصّ وسائل وطرق التشجيع خلال المباريات».


ويكشف أبو حسن بأن الأمور لم تكن عبثية «إذ عملنا خلال اجتماعات دورية قمنا بها سابقاً وأيضاً عشية كل مباراة، على طبع أوراق تحمل كلمات الأغاني والموشحات التي سيردّدها الجمهور خلال المباراة، وقمنا بتأمين مستلزمات التشجيع والأعلام اللبنانية، إضافةً إلى تشديدنا على عكس صورة جميلة عن الشعب اللبناني إن كانت تشجيعاً أو في غيرها من التصرفات داخل وخارج الملعب». وهنا يتحدث شقيقه نزار عن لفتة أثارت الكثير من الكلام في الإمارات وبين وسائل الإعلام التي تقوم بتغطية البطولة، وذلك عندما قام الجمهور اللبناني ومنذ المباراة الأولى أمام قطر بجمع النفايات في المدرجات التي خُصّصت له وتركها نظيفةً بعد خروجه، فيقول: «أردنا أن نؤكد أننا نحترم البلاد التي نعيش فيها والتي تستضيف بطولة راقية ومنظمة بشكلٍ مميز. كما وجدنا أن هذه الخطوة تشكل رسالة إلى الجمهور هناك في لبنان للنسج على المنوال عينه، وربما أن إضاءة الإعلام العربي والعالمي على هذه المسألة ستساعدنا على إيصال هذه الرسالة الحضارية».
كان الجمهور اللبناني من أبرز جوانب النجاح الجماهيري للبطولة حتى الآن


الشقيقان التوأم أبو حسن، لديهما شغف كبير لكرة القدم، وقد كانا في مقدّمة مستقبِلي منتخب لبنان لدى وصوله إلى الإمارات، حيث عملا على نقل هذه اللحظة مباشرة عبر صفحة الجالية اللبنانية، واجتهدا في أخذ تصريحات من اللاعبين ونشراها عبر الصفحة أيضاً، إضافةً إلى مشاركتهما في عملية تنظيم «حفل» الاستقبال الذي لم تعرفه منتخبات عدة، ومنها من لديها جالية كبيرة في الإمارات أمثال الهند والفيليبين.
لكن ليس كل الوافدين إلى الملاعب يحبون كرة القدم أو يتابعونها، وهذا ما تؤكده نورا التي تعيش في إمارة عجمان، فهي تقول إن «لبنان في القلب، وهذه مسألة تكفي لنذهب ونتابع ونشجع كل من يحمل الألوان اللبنانية إن كان منتخباً أو فريقاً وفي أي لعبةٍ كانت، لذا ورغم خسارتنا لمباراتين خرجنا في كل مرة مبتسمين، إذ يكفينا أن يكون منتخبنا بين كبار القارة الأكبر في العالم، والأهم أن يكون موجوداً على مقربة منّا ويعطينا فرصة للشعور مجدداً بالإحساس الوطني وتجديد الارتباط ببلدنا».


كلامٌ جميل تقابله خطوات قد يعتبرها البعض «جنونية» كتلك التي قام بها أسامة القادم من أوستراليا خصيصاً لحضور مباريات لبنان، أو تلك التي حملت الطالب في الولايات المتحدة الأميركية نديم أفيوني إلى دبي حيث يقيم أهله، فلم يفوّت فرصة متابعة التمارين حتى، حيث استقلّ سيارة أجرة لحضور مرانه في الشارقة وهو يرتدي ثياب المنتخب. وفي خدمة المنتخب وجمهوره كان الكل يعمل، فيقول هيثم السوس وهو صاحب شركة نقل، وضع باصات في تصرّف اللبنانيين لنقلهم من كل الإمارات إلى الملاعب الثلاثة، «كل واحدٍ منا كلبناني عليه أن يقف بطريقة ما ليقدّم الدعم لمنتخب لبنان، ولهذه الغاية وبعد تواصل شبّان من الجالية اللبنانية والرابطة الوطنية معي، قمت بتأمين الباصات والسائقين لنقل المشجعين».
إذاً صحيح أن كأس آسيا انتهت، وصحيح أن كل اللبنانيين يريدون نسيان النتيجة النهائية للمشاركة اللبنانية، لكن سيبقى الحضور الجماهيري اللبناني في الإمارات ذكرى جميلة بالنسبة إلى كل أولئك الذين شاهدوا مباريات المنتخب في الملاعب التي استضافت البطولة وتزيّنت في محطات عدة باللون الأحمر، ورافقتها موسيقى ورقصات الدبكة وكلمات النشيد الوطني اللبناني.