أوضاع اللاعبين الأجانب في كرة القدم اللبنانيّة تأخُذ منذ أسابيع عدّة حيّزاً كبيراً من التداول في الشارع الكروي المحلي. حكايات كثيرة وكلام عن «دَلَع» يعيشه البعض، وماعناة يعيشها البعض الآخر، ما يفتح الباب على الحديث عن الظروف المعيشيّة لكل لاعبٍ أجنبي محترف في دوري الدرجة الأولى، وذلك لناحية المستحقات الماليّة التي يحصلون عليها والأماكن والظروف التي يعيشون فيها.

لطالما كانت النظرة إلى اللاعبين الأجانب مختلفة في كرة القدم اللبنانية. نظرة تقدير طاولت الكثيرين منهم بسبب أدائهم المميز، ونظرة «مسيئة» ترافقت أحياناً مع انتقادات غير مقبولة، ومجبولة بالعنصرية إلى عددٍ آخر لسببٍ مختلف تماماً، وهو عدم ارتقائهم الى المستوى الفني المطلوب. في الحالة الثانية، يعبّر المنتقدون عن نقص لديهم ربما، وعقلية غير احترافيّة.
لكن في الحالتين يتفق الجميع على أن اللاعب الأجنبي هو حاجة للكرة اللبنانية، ولو أن بعض الفرق في الدوري تستقدم لاعبين أجانب دون المستوى المطلوب فنيّاً. وبعيداً عن الشق الفني في استقدام أجانب جيّدين وآخرين أقل مستوى، هناك تفاوت في الرواتب الخاصة بهؤلاء اللاعبين، وأيضاً بالنسبة إلى الظروف الحياتيّة التي يعيشونها في لبنان.
ويمكن القول إن هناك فئات عدة من اللاعبين الأجانب، بالنسبة إلى وضع القادمين من الخارج للدفاع عن ألوان الأندية المختلفة في لبنان. فهناك لاعبون يعيشون حياة شبه مثاليّة لناحية تأمين ناديهم جميع مستلزمات الحياة الكريمة. وهذا الأمر الطبيعي الذي يجب أن يحصل. وفي الطرف الآخر، هناك فئة خُدعت بأوضاع الأندية التي انضمت إليها، لكنها لا تزال قادرة على تحصيل مستحقاتها من خلال التلويح برفع شكاوى إلى الاتحادات الكروية، سواء في لبنان أو في الخارج، لحماية عقودها والحصول على حقوقها. كما أن هناك فئة أصابها الغبن وهي تعاني ما تعانيه للبقاء على قيد الحياة كروياً ويومياً.

«دَلَع» في العهد والأنصار
العهد بطل لبنان ينتمي بلا شك إلى الفئة الأولى، وهو الفريق الميسور مادياً، والذي حوّل حياة قسمٍ كبير من نجوم اللعبة إلى حياةٍ أفضل، إضافةً إلى تأمينه أجواء مثالية للاعبيه الأجانب، فكانت النتائج واضحة على أرضية الميدان، إذ إن النادي بات قريباً من حسم لقب الدوري للموسم الثالث على التوالي، ويضع في أولوياته كأس الاتحاد الآسيوي.
ولا يتقاضى أجانب نادي العهد راتباً شهرياً، بل إن الإدارة تعمد إلى تسديد دفعات عقودهم على مراحل، فيتم دفع نسبة 30% من قيمة العقد عند التوقيع، ثم نسبة أخرى بين مرحلتَي الذهاب والإياب، وهكذا دواليك. ولا يخفى على أحد أنّ عقود اللاعبين الأجانب في العهد ليست بالبسيطة، إذ يتقاضى كلٌّ من الثنائي السوري أحمد الصالح ومارتن توشيف 120 ألف دولار في الموسم، مقابل 80 ألف دولار للغاني عيسى يعقوبو. ويعيش هؤلاء اللاعبون الثلاثة في شققٍ سكنية في بيروت، وقد اختار كل واحد منهم شقّته بنفسه، بينما تكفّل النادي بدفع بدل الإيجار، وهو أمر ينطبق أيضاً على سمير أياس الذي عاش في بلغاريا قبل قدومه إلى العهد.

يستحق توشيف المبلغ الذي يتقاضاه (عدنان الحاج علي)

كذلك، لا بدّ من الإشارة إلى وجود غرفٍ مجهّزة حول ملعب العهد يمكن للاعبين الذين يقطنون خارج بيروت استخدامها، وقد مكث فيها أحياناً لاعبون ينتمون إلى أندية أخرى بحكم علاقتهم الجيّدة بالقيّمين على النادي أو من خلال الصداقات التي تجمعهم مع اللاعبين العهداويين.
ولا يختلف الوضع في الأنصار عنه في العهد لناحية الأجانب أو اللاعبين اللبنانيين القادمين من بلاد الاغتراب، فرئيس النادي نبيل بدر كان قد اشترى مبنى سكنياً في منطقة الناعمة، ويقطن فيه المدرب الأردني عبد الله أبو زمع، والثلاثي الأجنبي: السنغالي الحاج مالك تال، الغيني أبو بكر كامارا والتونسي حسام اللواتي، إضافةً إلى حسن «سوني» سعد الوافد حديثاً من الولايات المتحدة الأميركية. أما عدنان حيدر، فهو الوحيد الذي يقطن في فندق في شارع الحمرا حيث يتكفّل النادي بدفع البدل، تماماً كما يهتم بدفع كل مستلزمات شقق لاعبيه، حيث تؤمن لهم كل وسائل الراحة والعيش الكريم، إضافةً إلى توفير سيارة لكل واحدٍ منهم.
أمّا بالنسبة إلى المستحقات الماليّة، فيبدو الأنصار من الأندية القليلة في الدوري التي تسجّل عقود لاعبيها المحترفين بأرقامها الحقيقيّة، وهو ما يحفظ حق اللاعب، رغم أنّ النادي يخسر مالياً، إذ إن الاتحاد اللبناني للعبة يحصل على نسبة 10% من قيمة كل عقد بالنسبة إلى الأجانب، و5% بالنسبة إلى اللبنانيين.
يتقاضى كلٌّ من الثنائي السوري أحمد الصالح والبلغاري مارتن توشيف 120 ألف دولار في الموسم


وتشير معلومات مؤكدة إلى أن لاعبي الأنصار يحصلون على رواتبهم شهرياً من دون أي تأخير، فيتقاضى الحاج مالك 13 ألف دولار شهرياً (حصل على دفعة بقيمة 50 ألف دولار عند توقيعه على عقد جديد)، مقابل 6000 دولار للواتي (حصل على 27 ألف دولار كدفعة أولى)، و5000 دولار لكامارا، بينما يصل راتب سوني سعد إلى 7500 دولار شهرياً.
بحسب الأرقام والوقائع، فإن عمل إدارتي العهد والأنصار مع اللاعبين المحليين والأجانب يتم بصورة احترافيّة، وجميع التقديمات التي يحصل عليها اللاعبون هي بأغلبها تطبيق للعقود الموقعة معهم، وهذا ما يحصل في مختلف دول العالم المتطوّرة كرويّاً، والتي بات فيها استقرار اللاعب فنيّاً مرتبطاً بشكل كبير باستقراره نفسيّاً وماديّاً خارج المستطيل الأخضر.

بين الشقق والفنادق
وفي النجمة، يتوزّع اللاعبون على شققٍ سكنية في بيروت يتقاسمونها مع لاعبين لبنانيين قادمين من الخارج أيضاً، أمثال: علي علاء الدين، يحيى الهندي وأبو بكر المل (بحكم إقامته في طرابلس أصلاً)، بينما يسكن المدافع البينيني محمد شاونا مع المعدّ البدني التونسي أحمد بهلول في أحد الفنادق. وشاونا يتقاضى راتباً يناهز الـ 4500 دولار شهرياً، بينما يصل راتب السنغالي إدريسا نيانغ إلى 6000 دولار. أمّا المهاجم سايدريل لويس، الذي تمّ الاستغناء عنه بعد فترة قصيرة من التعاقد معه بسبب ضعف مستواه، وعاد إلى جزيرة غرينادا سريعاً، فقد حصل على راتب واحد بقيمة 6500 دولار، ليكون الأوسترالي أنتي بكماز الذي يشارك مع الفريق في كأس الاتحاد الآسيوي فقط صاحب الراتب الأدنى بين أجانب النجمة ويصل إلى 2000 دولار شهرياً.
إلى الجبل، حيث يقيم الثلاثي البرازيلي للإخاء الأهلي عاليه في شقق مفروشة بأحد الفنادق في مدينة عاليه. واللاعبون الثلاثة ليسوا وحدهم، فقد انضمت إليهم عائلاتهم في وقتٍ سابق، وقد تكفّل النادي بتذاكر الطيران لانتقال العائلات إلى لبنان سعياً إلى خلق المزيد من الاستقرار النفسي للاعبين الذين أعطوا الفريق كل ما لديهم على أرض الملعب حتى الآن.


كريستيان لوكا وكارلوس ألبرتو وهيغور غونسالفيش يتقاضى كل واحدٍ منهم 3500 دولار كراتب شهري. الأول والثاني كانا يَحصلان على 3000 دولار شهرياً عند بداية مشوارهم مع الفريق، لكن مع انتصاف الموسم أضيفت 500 دولار إلى راتب كارلوس بعد وصول زوجته وطفله إلى لبنان، ليطلب بعدها المدرب العراقي عبد الوهاب أبو الهيل من الإدارة القيام بالخطوة نفسها تجاه لوكا من مبدأ إرساء التساوي بين الجميع ومكافأة له على أدائه الجيد في مرحلة الذهاب.

رواتب متواضعة وأخرى صادمة
وعلى خط شباب الساحل، لا تبدو الكلفة كبيرة لناحية رواتب اللاعبين الأجانب، إذ يحصل كل من السنغاليين عبد العزيز نداي وباكاري كوليبالي على راتبٍ يصل إلى 2000 دولار شهرياً، مقابل 1700 دولار كراتب للغاني سالومون منساه، الذي كان قد انتهى موسمه بسبب الإصابة القوية التي تعرّض لها. ورغم ذلك، قامت إدارة الساحل بلفتة جميلة عندما دفعت له كامل رواتبه حتى نهاية الموسم، قبل أن تلبي طلبه بنقله إلى بلاده.
ويقطن نداي وكوليبالي في أحد الفنادق القريبة من ملعب تدريبات الفريق، بينما مكث منساه في شقة في منطقة حارة حريك بضاحية بيروت الجنوبية، وهي شقة مؤلفة من 7 غرف يتشاركها لاعبون يعيشون خارج بيروت، علماً بأن النادي يؤمّن للاعبيه الأجانب 3 وجبات يومياً، وحافلة صغيرة لتأمين نقلهم إلى التمارين والمباريات.
يتفق الجميع على أن اللاعب الأجنبي هو حاجة لكرة القدم اللبنانية


مسألة الرواتب المنخفضة تنطبق أيضاً على الراسينغ الذي يدفع 3000 دولار شهرياً لكل لاعب بين راتب ومستلزمات أخرى، بينما يقطن الثنائي النيجيري باباتوندي سيكيرو وايمانويل أونييكا والسيراليوني خليفة جابي في أحد فنادق منطقة الحمرا ببيروت.
وتنخفض الرواتب شمالاً مع الوصول إلى طرابلس، حيث يسكن الثلاثي: السنغالي مامادو سيلا، الإيفواري مارك ديون والغاني ويلسون أندو معاً في شقة واحدة في منطقة الملا، وهي لا تبعد سوى بضع دقائق عن ملعب رشيد كرامي البلدي. اللاعبون الذين يتكفّلون بتأمين وجبات الطعام اليومية لأنفسهم، يتقاضون رواتب بسيطة جداً، فيحصل سيلا على 2000 دولار شهرياً، وديون على 2500 دولار، بينما لا يتجاوز راتب أندو الـ 800 دولار، بعكس ما تردد عن أن عقده يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف دولار في الموسم.
وفي زغرتا، يبدو أجانب السلام الثلاثة أقرب بكثير إلى الملعب، إذ يقطن كل واحد منهم في شقة داخل مجمّع المرداشية، وهي مؤلفة من غرفة نوم وغرفة جلوس ومطبخ وحمام، علماً بأن النادي يؤمّن لهم وجبة الغداء فقط. أمّا بالنسبة إلى الرواتب، فيتقاضى المدافع الصربي ماركو ميهايلوفيتش الراتب الأعلى ويبلغ 4500 دولار شهرياً (قيمة عقده الكامل 60 ألف دولار)، بينما عرف الموريتاني أمادو نياس راتباً تصاعدياً منذ وصوله قبل موسمين، فحصل على 2000 دولار بدايةً، ثم ارتفع المبلغ إلى 2500 دولار، حتى وصل هذا الموسم إلى 3000 دولار، ويحصل الغاني ريتشموند لامبتي على 2000 دولار في الشهر.

رواتب اللاعبين الأجانب في شباب الساحل متوسطة (عدنان الحاج علي)

والمشهد نفسه يوجد في ملعب الصفاء، حيث يعيش الثنائي السنغالي عثمان غييه وبابا سال، والبوسني بوريس فيكيتش، إضافةً إلى لاعبين لبنانيين آخرين، بينهم حسن الأومري ومحمد شمص، وهم يقطنون في غرفٍ مفروشة ومجهّزة بوسائل الرفاهية كالإنترنت وغيرها، علماً بأن كلاًّ من الثلاثي الأجنبي المذكور يحصل على 3000 دولار كراتب شهري، على أن يؤمّنوا المأكل والمشرب بأنفسهم.
بقاعاً، يعيش اللاعبون الأجانب الثلاثة في شقة واحدة مجهّزة بكل المتطلبات، ويؤمّن لهم النادي وجبات الطعام، علماً بأن السنغالي داوودا دييميه يتقاضى 1500 دولار شهرياً، ومثله الغامبي مامادي نغام، بينما يحصل السنغالي الآخر بابي ديالو على 1200 دولار كراتب شهري.
وفي صور، تمّ تأمين شقة لأجانب نادي التضامن الثلاثة، وهم: السنغالي داوودا ديوب والغانيان كوفي ايبواه وستيفان سارفو، رغم أن النادي كان قد أنشأ غرفاً داخل الملعب، لكنه لبى طلب اللاعبين بالبقاء في الشقة. وفي العقود الخاصة بالموسم الحالي، يؤمّن اللاعبون وجباتهم اليومية، علماً بأن كلاًّ من اللاعبين الثلاثة يتقاضى 1700 دولار شهرياً، إضافةً إلى 300 دولار بدل طعام (بعيداً عن مقدّمة العقد التي تختلف بين لاعبٍ وآخر).
أما ممثل الجنوب الآخر، أي الشباب الغازية، فقد وفّر ضمن عقار ملعب البلدة الذي يعود إليه، غرفةً لكلٍّ من لاعبيه الأجانب، وهم: الايفواري جان كريستيان كيكي، والغانيان اسماعيلا أنتيري وفرانسيس ماولي. هم يتشاركون مطبخاً وحماماً واحداً أيضاً، ويحصلون على 10 دولارات فقط كبدل طعام يومياً، بينما تبدو رواتبهم متواضعة جدّاً، فيحصل أنتيري على 1200 دولار شهرياً، بينما ارتفع راتب ماولي إلى 700 دولار أي بزيادة 100 دولار عن الموسم الماضي حيث لعب مع الغازية في الدرجة الثانية، وذلك إلى جانب أفضل هدافي الفريق أي كيكي الذي يعدّ الأجنبي صاحب الراتب الأدنى في الدوري ويبلغ 500 دولار فقط لا غير.