قبل لقاء الـ«دربي» بين النجمة والأنصار في إياب الموسم الماضي، سأل أحد الصحافيين الإنكليز عن موعد اللقاء بين الفريقين حتى يتسنّى له وزميليه الحضور في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية ومتابعة قطبي كرة القدم اللبنانية.

جاء الثلاثي، شاهدوا المباراة، وسُئلوا عن رأيهم بعد انتهائها. قالوا إنهم كانوا يبحثون عن شيء، ووجدوه. لم يخرجوا خائبين. بعد فترة، كتب الصحافي مقالاً طويلاً عن الـ«دربي» الكلاسيكي في لبنان بعنوان، «الأنصار والنجمة.. حين تذهب قبيلتان إلى الحرب». في ذلك المقال، رحّب الكاتب بالقرّاء بعبارة «أهلاً بكم في بيروت، حيث القوانين هي: لا توجد قوانين».

الجمهور يعكس واقع البلاد والمجتمعات (عدنان الحاج علي)

تحدّث الصحافي عن الخلافات السياسيّة والطائفيّة. صوّر وجود قوى الجيش والآليات العسكرية حول المدينة الرياضية وفي حرمها، ومخيّم اللاجئين الفلسطيني خلفها. كتب عن المقاعد المقتلعة من أماكنها على المدرجات واستخدامها كـ«صواريخ» لرميها على أرض الملعب. تطرّق أيضاً إلى الإشكال الذي وقع بين بعض المشجعين والقوى الأمنية. تلك المباراة انتهت بالتعادل بين الفريقين، لكن النتيجة كانت بمثابة الخسارة للنجمة الذي كان ينافس على اللقب. حاول قدر الإمكان ألّا يُصوّر الشرق كما يراه الغرب، أو كما تريد الحكومات ومن خلفها وسائل الإعلام التي تخدمها. الصحافي كتب ما رأى، وما سمع أيضاً. وجد ما يريد، وما يريده كان الفوضى. تلك التي غابت عن الملاعب الإنكليزية في الفترات الأخيرة، وهم أهل الـ«هوليغانز»، المشجعون المتعصّبون المعروفون بعنفهم. ولكن هذا الشغب يحضر هناك بين الحين والآخر، وما حصل قبل وخلال مباراة إنكلترا وروسيا في البطولة الأوروبية قبل سنوات خير دليل على أن هذه الأمور تحصل في عالم الكرة.
مرّت الأشهر، وجاء صحافي آخر، هذه المرّة من ألمانيا، ليسأل عن اللقاء عينه، ذلك الذي لُعب قبل أيّام. هو الآخر سُئل عن رأيه، وقال إنه لم يخرج خائباً. كِلا الصحافيين بحثا عن الأمر عينه، وكِلاهما وجداه: تضاربٌ على المدرجات، شتائم، قذف مقاعد ومفرقعات نارية إلى أرض الملعب... كلُّ ما يُعبّر عن الفوضى والشغب. هذا هو الجمهور «الحقيقي»، والإعلام الغربي الرياضي يبحث عنه، بدلاً من مراقبين أكثر من مشجعين.

«ثقافة التشجيع»
كلمة الحرب جاءت في عنوان الصحافي الإنكليزي عن تقريرٍ لمباراة بين فريقي كرة قدم، وهذه الكلمة، لا تترادف مع مفهوم الرياضة، لكن العُذر موجود ربما. كيف لا يُكتب عن الحرب، والمدينة الرياضية في بيروت أشبه بثكنةٍ عسكرية، يوجد فيها آليات عسكرية ومتاريس؟ كيف لهذا الصحافي أن يُفسّر وجود هذا الكمّ من الأسلحة في ساحةٍ رياضية؟ كيف له أن يرى متاريس وأسلاكاً شائكة ولا يذكر الحرب؟ (ربما يكون وجودها مبرراً لأسباب لا يعرفها الجميع، ولكن الحديث عنها، عن آليات ومتاريس وأسلاك شائكة في ملعب رياضي) أمّا رمي المقاعد والتضارب بين المشجعين، فهذه معركة، قد تحدث في أي مكان من العالم، والمشهد ليس مستغرباً فقد حصل في فرنسا وبريطانيا، وغيرها العديد من الدول.
بعد كل «معركة» على المدرجات، يخرج من يقول إن الجمهور تنقصه ثقافة التشجيع، وكأن هذه تُشترى من دُكّانٍ مثلاً، وكأن المشجّع ليس شخصاً، وهو ابن بيئته، وما صنعه النظام. أراد كثيرون أن يُظهروا فارقاً في مستوى التشجيع، أو بشكلٍ أوضح، في المشجعين، بين كرة السلّة وكرة القدم في لبنان. شيءٌ من الطبقية المنبثقة من المذهبية في لبنان. كرة السلة للـ«كلاس» فقط. محاولةٌ بائسةٌ لإحداث شرخٍ جديدٍ بين أهل البلد عينه. لم ينجحوا في ذلك، والشغب الذي يتكرر في مدرجات ملاعب كرة القدم يحدث أيضاً في ملاعب السلّة، بل إنه يزيد بأشواط عن كرة القدم. ففي هذه الأخيرة لا يوجد «ماي مصلاية». ثقافة التشجيع المطلوبة، هي في الأساس، ثقافة، من دون أي مصطلحٍ مرافق. شيءٌ لا يُدرّس في الأندية والاتحادات الرياضية والملاعب، بل في البيوت والمدارس. والتشجيع الحضاري ما هو إلا صورة عن الأفراد في حياتهم اليومية قبل جلوسهم على مقاعد المدرجات، وفي هذا الإطار لا يجب تجاهل واقع الأفراد في البلاد، وحياتهم وعلاقتهم بالنظام والدولة، وما تؤمنه لهم الدولة، لكي تصنع مجتمعاً صحيحاً. الأكيد أن العنف ليس مبرراً، ولكن الجمهور هو الجمهور.
أراد كثيرون أن يُظهروا فارقاً في مستوى التشجيع بين كرة السلّة وكرة القدم في لبنان


ثمّةٌ رأيٌ بأن الملاعب ليست دور عبادة. الشتائم والفوضى والضجيج ليست «مُحرّمة» هناك. الجمهور من عامّة الشعب، يجد في هذه المساحة الواسعة نسبياً وهذا الوقت الضيّق فرصة للابتعاد عن ضجيجٍ آخر يُرافق العمل والدراسة والأخبار وما يحدث في العالم، أو في البلد حتّى. مُخطئٌ من يظن أن هناك جمهوراً لا يشتم لاعباً ونادياً أو حتّى منطقةً وإقليماً، والجمهور أينما كان هو نفسه. جميعهم يتشاركون التشجيع، كلٌّ بطريقته، ومن ينسى المشجعين في المغرب العربي، وكيف ينقلون مشاكلهم الحياتية، ومشاكلهم مع الدولة إلى المدرج على شكل أغاني وأهازيج. الألتراس المصري ودوره في الثورة؟ الجمهور هو الناس.
في مباراة الـ«دربي» الماضية، وقع إشكالٌ على مدرج النجمة وآخر على مدرج الأنصار. عددٌ من الشبّان ضُربوا والأسباب مختلفة، ووصلت الأمور إلى حدّ اللحاق ببعضهم إلى خارج الملعب وصولاً إلى المستشفى! هذه مثلاً، معركة، وتكاد تكون حرباً. هُنا، تخطّى المشجعون الحدود، لكن المؤسف أكثر، هو أن في هذه المعركة جنودٌ يتفرّجون. غريبٌ كيف لا تتحرّك القوى الأمنية الموجودة على أرض الملعب حين تبدأ الفوضى على المدرجات. أحياناً يغدو الإشكال خطيراً، كما حصل في المباراة الماضية، لكن أحداً لا يتحرّك لإيقافه. غريبٌ، كيف أن هذه المشكلات لم تكن تحدث قبل أعوام، ربما لأن القوى الأمنية كانت توجد على المدرجات، لا على أرض الملعب. تغيير ثقافة التشجيع، يحتاج إلى تغيير الثقافة العامة، وحتّى يتحقق ذلك، يُمكن ضبط المشجعين.
في الملاعب اللبنانية هاجسٌ دائمٌ بوقوع إشكالٍ على المدرجات، لكن المشكلة الحقيقية ليست في التوقّع بوقوع هذا الإشكال، بل في عدم العمل على عدم حدوثه. دور القوى الأمنية يكون دائماً فضّ المتعاركين عن بعضهم بعد الوصول إليهم، بدلاً من الوجود معهم على المدرجات لفرض الأمن. فإذا كان المسؤولون يتذمّرون من تكرار المشكلات، لمَ لا يعملون على الحدّ منها؟ ربما الحل يكون أيضاً بعناصر مدنية موجودة على المدرج كما في كل العالم، ترتدي زياً موحداً وتعمل على ضبط الأمن، وهم أناس عاديون وليس بالضرورة من عناصر في القوى الأمنية الرسمية التابعة للدولة.
لهذا الصحافي الإنكليزي كتابٌ رياضي، يقول فيه إن الملاعب الإنكليزية احتُلّت من قِبل «آكلي شطائر القريدس»، في إشارةٍ إلى هؤلاء الذين لا يُشجعّون، بل يتفرّجون. الجمهور عاطفي، منفعل، يمدح اللاعب في لحظة ويشتمه في أخرى. «شغبه» مطلوبٌ ضمن الحدود، كما مطلوب حمايته، من نفسه أحياناً. يحب جمهور نادٍ ما، أن يكره جمهور النادي المنافس. درجة الكره قد تبلغ حد أن يكره قسمٌ من جمهور النادي الواحد قسماً آخر منه. إلا أن هذه الكراهية جزءٌ من اللعبة، ولهذا تُحَب.



بيت الجمهور المُهمل
نحو أكثر من نصف مقاعد ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية لم تعد موجودةً على المدرجات، بفعل اقتلاعها من أماكنها وقذفها تارةً على الحكّام وتارةً أخرى على القوى الأمنية، وبالتأكيد هو أمر غير مبرر. الجمهور لم يعتنِ ببيته الثاني، إن كان في هذا الملعب أو غيره، لكن أرباب الملاعب أهملوها أيضاً. لا شيء حقيقةً يدعو إلى ترك المنزل لحضور مباراةٍ في الملعب سوى متابعة الفريق. بدءاً من طريقة دخول المشجعين عبر حواجز قوى الأمن، إلى المقاعد غير النظيفة، وغياب أكشاك بيع المأكولات والمشروبات، وصولاً حتّى إلى عدم توفّر الحمّامات.