بهدوء ومن دون ضجيج عمل العهد منذ اللحظة التي أنهى فيها احتفالاته بلقب الدوري مع ختام الموسم الماضي. هو قام بجردة داخلية إدارياً وفنياً، فقام بتذويب العقبات تباعاً وعمل على تثبيت الأسس التي عمل عليها منذ مواسم عدة ومكّنته من السيطرة على مقاليد اللعبة وتحقيق نتائج نوعية خارجياً، فها هو يقف اليوم أمام تحقيق إنجازٍ غير مسبوق كونه لا يبعد كثيراً عن منصّة التتويج في كأس الاتحاد الآسيوي.

لكنْ مخطئ من يعتقد أن العهد أصيب بالملل محلياً، حيث لم يتمكن أيّ منافس من تهديد زعامته، فهو في أسوأ أيامه. في الموسم الماضي تمكّن من حصد الانتصارات التي طالت سلسلتها، حتى قرر أن يوقفها عندما دفع بفريقٍ شاب لمواجهة الأنصار قبل أن يختتم المشهد باحتفالٍ جديد.

(عدنان الحاج علي)

احتفال اكتمل طبعاً مع فوزه بكأس لبنان ثم مع إحرازه الكأس السوبر عشية افتتاح الموسم الجديد. واللقب الأخير هو الذي حمل دلالات واضحة على أن العهد لا يزال الفريق الأقوى الذي سيطلب الجميع «رأسه» في موسم 2019-2020. والعودة إلى ملعب صيدا البلدي الذي استضاف مباراته الأخيرة، وما سبق هذه المباراة يعكس بلا شك قوة العهد. فهناك فاز «الأصفر» على الأنصار المدجّج بالنجوم والمكتمل الصفوف، والذي يحمل طموحات لا حدود لها بعدما صرف الغالي والنفيس لاستعادة العرش الذي يفتقد إليه، وطبعاً لإيقاف فريقٍ يسير بسرعة القطار ليكون الزعيم الجديد (تاريخياً) للكرة اللبنانية بعدما التصق هذا اللقب بالأنصار منذ فترة طويلة.
والإضاءة على هذه المباراة تأتي للتأكيد على قوة العهد التي لم تتقلّص، بدايةً من الشخصية القوية التي تعرف كيفية الفوز بالمباريات بغض النظر عن تأخر الفريق في بداياتها أإو معاناته من مشاكل طارئة كتلقّي هدف مفاجئ أو إصابة لاعبٍ أساسي. وطبعاً لا يمكن إغفال نقطة عدم التأثر سلباً بالغيابات المهمة، ففي المباراة أمام الأنصار افتقد الفريق إلى عموده الفقري الدفاعي، فغاب الحارس الأول مهدي خليل، وقائد الدفاع السوري أحمد الصالح، ولاعب الارتكاز الغاني عيسى يعقوبو، ما يعني أن الفريق لعب بأجنبي واحد وانخفض منسوب الانسجام المعتاد في المنظومة الدفاعية الخاصة به، لكن رغم ذلك تمكّن رجال المدرب باسم مرمر من رفع الكأس السوبر للمرة الثامنة في تاريخ النادي.
إذاً لا يمكن القول إن التاريخ يعيد نفسه، فهذه العبارة بالأصل هي من العبارات الشائعة الخاطئة لأن التاريخ مبنيّ على ثوابت، وهذه الثوابت تؤدي إلى النتيجة الحتمية نفسها، وبما أن الثوابت التي بنى عليها العهد سنةً بعد أخرى كانت واضحة ومتينة ومدروسة، يبقى الفريق قادراً على الوقوف في وجهٍ أي طامحٍ لانتزاع التاج منه.
نجاحات العهد مرتكزة على الأسس الصحيحة التي وضعها منذ زمنٍ بعيد


ولهذا السبب لم ينشط العهد في سوق الانتقالات على غرار ما فعل منافساه الأساسيان أي الأنصار والنجمة، فهو كان قد خزّن لاعبين في أندية أخرى وعندما حان الوقت للاستعانة بهم أدخلهم في حساباته واستفاد من إمكاناتهم، وهو أمر بدا جليّاً في حالة لاعب الوسط وليد شور والمهاجم طارق العلي على سبيل المثال. أضف أن عمل العهد على صعيد الخيارات الأجنبية كان مدروساً منذ مواسم طويلة، إذ نادراً ما استقدم لاعباً أجنبياً وفشل في خطوته، والسبب يعود بالتأكيد إلى استثماره الصحيح بمبالغ كبيرة في هذا المجال، فأثمر عمله نتائج واضحة على أرض الملعب، تماماً كما هو الحال في استقدامه للنجم التونسي أحمد العكايشي الذي سجل له هدفي الفوز في السوبر.
ببساطة الأمر يتعلق بالحسابات الصحيحة والتخطيط والتنفيذ الصحيحين، إضافةً إلى عامل الاستقرار الفني الذي تُرجم بإعطاء الثقة الكاملة للمدرب مرمر الذي يعدّ من المدربين القلائل في لبنان، محليين وأجانب، الذين يستطيعون إيجاد التوازن في كل مراحل الموسم وبغض النظر عن الظروف التي يعيشها الفريق داخل وخارج أرض الملعب.
من هنا، سيكون اعتماد مرمر في الموسم الجديد على ركائزه الأساسية التي لطالما رفعت الفريق إلى المستوى الذي يأمله، إذ مع وجود الأخوين مهدي وهادي خليل ومحمد حمود ستكون حراسة المرمى مضمونة، بينما تبقى المنافسة التي خلقها في خط الدفاع نافعةً إلى حدٍّ كبير، وهو ما اتّضح في ارتفاع مستوى خليل خميس في الموسم الماضي في مواجهة لاعبَين دوليَّين هما الصالح ونور منصور. كذلك ينطبق الأمر عينه على علي حديد تماماً ككل اللاعبين الشبان الذين شقّوا طريقهم إلى الفريق الأول في المواسم القريبة الماضية، أمثال حسين منذر ومحمد قدوح الذي سيفتقده الفريق بعدما قرر الذهاب للعب مع أحد الأندية في بنغلاديش.

يواكب العهد جمهورٌ كبير (عدنان الحاج علي)

وعند هذه النقطة يمكن التوقّف للحديث عن الشقّ الهجومي، وهو الجانب الذي يمكن أن يثير القلق إلى حدٍّ ما، إذ بعيداً من العكايشي سيكون الترقب كبيراً لما يمكن أن يقدّمه أي بديلٍ له، فالعهد لم يعمل هنا بالشكل الذي اعتاد عليه في المواسم السابقة. وهنا التصويب على عدم تعويض قدوح الذي كان المهاجم القادر على سدّ غياب أيّ لاعبٍ في خط المقدمة، وكذا عدم استقدام بديلٍ لأكرم مغربي الذي ظهر في لحظاتٍ حاسمة مهمة في الموسم الماضي كبديلٍ مثالي في غياب أو حضور المهاجم السابق البلغاري مارتن توشيف. أضف أن الاستغناء عن أحمد حجازي مجدداً، وهو أفضل هداف لبناني في الدوري، لأسبابٍ يبدو أنها ترتبط بمسألة انعاش الخزينة، يترك العلي الخيار الهجومي الوحيد في مركز رأس الحربة أو على طرفي الملعب، وهو إذ ظهر بشكلٍ جيّد بفعل حماسته الواضحة للعب بالقميص الأصفر مجدداً، فإنه يحتاج بلا شك إلى الوقت لفرض نفسه من جديد في فريقٍ كبير.
وكل هذا ينسحب أيضاً في الكلام عن الهجوم على الثلاثي الهجومي محمد حيدر، ربيع عطايا وأحمد زريق، إذ رغم اعتراف الجميع بإمكاناتهم الكبيرة يبقى عليهم عدم المرور بنفس المرحلة التي عاشها كلّ منهم في الموسم الماضي، إن كان على صعيد تقديم المستوى الثابت أو لناحية التأثر ذهنياً وبدنياً بالإصابات.
المهم أنه مهما تبدّلت صورة العهد ومهما تبدّل مستوى المنافسين، يبقى الفريق الأصفر البطل الذي يهابه الجميع بعدما فرض احترامه عليهم، وبعدما فرض معادلة جديدة في اللعبة منذ زمنٍ ليس بالقصير، إذ بات جليّاً أنه لا يمكن لأحد المرور إلى منصة التتويج من دون قطع الطريق على العهد أو المرور منه لرفع الكأس التي باتت مرادفاً لاسمه.