نزالٌ قاسٍ جديد في الدوري اللبناني لكرة القدم عنوانه شباب الساحل والبرج مع ارتفاع مستوى الحساسية بينهما وولادة صراع على لقب «زعيم الضاحية الجنوبية». مباراة اليوم (الساعة 16.00 على ملعب جونيه البلدي) التي سيفتتح من خلالها الأسبوع الرابع من البطولة يُنتظر أن تكون قوية وحافلة بالنديّة، وهي التي بدت بهذا الشكل عبر مناوشات جمهور الفريقين منذ أسابيع على مواقع التواصل الاجتماعي.

مواجهة بين شباب الساحل والبرج هي ما كان يحتاج إليه الدوري اللبناني هذا الموسم لرفع منسوب الإثارة والنديّة التي انحصرت عملياً في مباريات ثلاثي الصدارة: العهد، الأنصار والنجمة في المواسم القريبة الماضية. ومواجهة قطبَي الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت لا تقلّ حرارتها عن كل «الدربيات» التي عرفتها البطولة سابقاً وراهناً، وهي مواجهة بدأت أصلاً منذ اللحظة الأولى التي عاد فيها البرج الى مصاف أندية الدرجة الأولى في ختام الموسم الماضي لبطولة الدرجة الثانية، لتطرح الإشكالية الكبيرة التي أفرزت نزالاً عنوانه العريض: من هو «زعيم الضاحية»؟

الحساسية بين الحارة والبرج ليست وليدة اليوم بل تنسحب على مستويات عدة


ويبدو طبيعياً أن تأخذ الأمور هذا المنحى، إذ إن الحساسية والمنافسة الشرسة بين الناديين ليستا وليدة اللحظة، بل هما أصلاً نتاج صراعٍ مناطقي لا يمكن إغفاله بين منطقة حارة حريك التي ينتمي إليها شباب الساحل، ومنطقة برج البراجنة التي تحتضن نادي البرج. والصراع هذا كان حاضراً في مناسباتٍ عدة على المستوى السياسي والبلدي، وانسحب الى الساحة الرياضية ليبلغ ذروته قبل موسمين عندما كان الفريقان معاً في «دوري المظاليم» حيث ارتفع مستوى الحدّة الى أعلى درجاته وتخطّت المنافسة الرياضية كل الأطر الطبيعية، فكثرت الخلافات والمناوشات إلى درجةٍ فرضت تدخلاً من سياسيين في المنطقتين لتخفيف الاحتقان ولإنهاء بعض المشكلات التي كادت تكبُر وتتسبب بما هو غير مقبول، في وقتٍ يتفادى فيه بعض الساحليين حتى اليوم زيارة منطقة برج البراجنة «رياضيّاً»!
في الموسم المذكور (2017 - 2018) تعادل الفريقان (1-1) ذهاباً، وفاز البرج (1-0) إياباً. لكن النتيجة الأخيرة لم تعطِ الفريق الأصفر الأفضلية وتؤمّن له جسر عبور الى الدرجة الأولى التي عاد إليها الساحل وهو يحمل لقب بطولة الدرجة الثانية، ورافقه عامذاك الشباب الغازية، بينما ابتعد البرج بفارق نقطةٍ واحدة عن متصدر الترتيب العام.
نتيجة نهائية لم يهضمها البرجيون وأخرى مرحلية لم «يبلعها» الساحليون حتى يومنا هذا، ما يفضي الى نتيجة واحدة وهي ان مباراة اليوم لن تكون عاديةً ابداً، اقلّه بالنسبة الى ما سبق الموسم من «تهديد ووعيد» بين جمهوري الفريقين، بينها ما كان في الاطار الرياضي وبينها ما تخطى الروح الرياضية بكل معانيها.
والمسألة الاخيرة طبيعية لمن يعرف طبيعة المنطقة التي يتناولها الكلام، وطبعاً الصورة العامة التي لا تحسم مسألة الزعامة، ففي الشق الفني لا شك في ان شباب الساحل تاريخياً له حضور افضل من البرج، بينما في الشق الجماهيري لا يمكن سوى حسم الامر بالقول ان شعبية البرج اكبر بكثير من جاره.
النقطة الاولى تعيدنا الى استعادة ما حققه الفريقان من القابٍ في مسيرتيهما. البرج كان قد سبق الساحل الى السجلات الذهبية باحرازه لقب كأس لبنان عام 1993، وهو خرج اخيراً منصّباً نفسه «الزعيم» بعد احرازه كأس التحدي التنشيطية. لكن ردّ «الأزرق» الفائز بلقب الكأس عام 2000، كان مدوّياً بعدما حقق، من خارج التوقعات، كأس النخبة، ليوجّه رسالة واضحة الى غريمه قبل انطلاق الموسم الجديد مفادها واضح: «أنا الزعيم».
الواقع ان تفوّق الساحل في الجانب الفني يأتي لناحية حضوره السابق للبرج في دوري الدرجة الاولى، اضافةً الى استمراره لمواسم اطول بين الكبار، ناهيك عن وضع نفسه بين المنافسين على المراكز المتقدّمة، اذ نادراً ما عرف الساحل مرحلة من التخبّط، فما عاناه فنياً كان غالباً عند وقوعه في مشكلة مرتبطة بالتمويل، وهي مرحلة لا يعيشها حالياً تماماً كما هي حال البرج الذي تمكن من بناء فريقٍ لا يمكن الاستهانة به يقف حالياً شريكاً للأنصار والنجمة في مقدّمة الترتيب ويبتعد بفارق نقطتين عن الساحل، ما يعطي الأخير دافعاً اضافياً للتغلب عليه وتخطيه على لائحة المراكز.

فاز الساحل بكأس النخبة على حساب الأنصار (عدنان الحاج علي)

اما في الشق الثاني الخاص بالشعبية، فيتفوّق البرج بشكلٍ واضح رغم محاولات «الخرق» الداخلية في منطقته، وبالتحديد من شباب البرج الذي كسب قسماً من محبي الكرة في برج البراجنة، لكن كما بدا في مواجهتهما الأخيرة على ملعب صيدا البلدي بأنه لم يتمكن من استقطاب الجمهور البرجي القديم. وموضوع الجمهور حسّاس جداً ومفهوم ايضاً، فإذا أخذنا الوضع العام للضاحية الجنوبية، حيث الكثافة السكانية الكبيرة، نجد ان مشجعي الكرة في منطقة حارة حريك تحديداً لا يرتبطون حصراً بشباب الساحل، فهناك من يشجع الأنصار وطبعاً النجمة صاحب الشعبية الاكبر، وحتى ذهب البعض الى تشجيع العهد البيروتي الهوية (بحُكم رخصته) والذي لا يفصل نفسه او يفصله متابعو اللعبة عن الضاحية، حيث تتركز قاعدته الجماهيرية. اما في ما خصّ البرج، فإن منطقة برج البراجنة تختلف بطابعها المناطقي عن حارة حريك التي يسكنها ابن الضاحية وابن الجنوب او غيرها من المناطق، فأهل البرج يعتبرون منطقتهم بمثابة القرية ومسقط الرأس، وهو ما يربطهم عاطفياً بالفريق بشكلٍ كبير، وقد بدا هذا الأمر جليّاً طوال الأعوام الـ 16 التي غاب فيها عن دوري الكبار، حيث كانت المتابعة الجماهيرية له واضحة في المباريات وحتى في التمارين.
باختصار، لا يمكن الجزم حول هوية «زعيم الضاحية» الفعلي، لكن بلا شك فإنه في حال فوز احد الفريقين اليوم سيكون اللقب محسوماً بالنسبة الى جمهوره. لقبٌ معنوي، لكنه اكبر من ذلك بالنسبة الى اهل حارة حريك وبرج البراجنة، وهم الذين يريد كل جانبٍ منهم كسب مواجهة جديدة في مسلسل النزال المستمر بين المنطقتين منذ زمنٍ طويل.


مباريات الجولة


تُستكمل غداً الجمعة، مباريات الجولة الرابعة من بطولة الدرجة الأولى في كرة القدم، فيستضيف الإخاء الأهلي عاليه السلام زغرتا، على ملعب أمين عبد النور في بحمدون (الساعة 14:15). المباراة هي الثانية للمستضيف على أرضه هذا الموسم، بعد الأولى التي خسر فيها أمام العهد (1-3) في الجولة الماضية. الصفاء بدوره يحل ضيفاً على التضامن صور في التوقيت عينه. الفريق الجنوبي لم يحقق أي فوزٍ بعد، مكتفياً بالحصول على نقطةٍ واحدة، في حين أن الصفاء كان قد خسر المباراة الماضية أمام الأنصار (1-4). الأخير، يلعب مع طرابلس على ملعبه. ساحة المواجهة لن تكون صعبةً على الضيوف، إذ خاضوا مباراتين من ثلاث على ملعب طرابلس البلدي، وهم يسعون إلى الحفاظ على الصدارة أمام الفريق الذي حقق فوزه الأول في الجولة الماضية.
وعلى ملعب فؤاد شهاب في جونية، يلتقي النجمة مع شباب البرج (16:00). "النبيذي" لم يشارك في الجولة الماضية، لكنه حقق العلامة الكاملة من مباراتين بمواجهة الأنصار والتضامن صور، في حين خسر شباب البرج مباراتيه الأخيرتين.
وتُختتم الجولة بلقاء العهد والشباب الغازية، السبت (16:00). حامل اللقب يعود إلى المشاركة في البطولة المحليّة بعد ظفره بكأس الاتحاد الآسيوي، وسيكون لقاؤه مع الفريق الوحيد الذي لم يحقق أي نقطة بعد.