لا يمكن نسيان ذاك اليوم الخريفي الماطر الذي عاشه اللبنانيون قبل 8 أعوام في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية. ففي الخامس عشر من عام 2011 حقّق منتخب لبنان لكرة القدم واحدة من أهم النتائج في تاريخه إذا لم يكن أهمها، وذلك بتغلبه على المنتخب الكوري الجنوبي (2-1) ضمن التصفيات المؤهّلة إلى نهائيات كأس العالم 2014.

في ذاك اليوم الذي يبدو دائماً في الأذهان وكأنه أمسٌ قريب لشدّة روعة ذكراه، تحدّى عشرات الآلاف الأجواء الماطرة واحتشدوا في مدرّجات المدينة الرياضية رافعين الأعلام اللبنانية، حيث بدا للجالس معهم أن لدى كلٍّ منهم إيماناً كبيراً بتحقيق المنتخب اللبناني نتيجة طيّبة في مواجهة «الشمشون» الكوري، رغم خسارته أمامه ذهاباً وقبل أقلّ من شهرين بسداسية نظيفة. المدافع علي السعدي افتتح التسجيل بشكلٍ مبكر، لكنّ الكوريين عادلوا بشكلٍ سريع عبر كو جا - شيول من ركلة جزاء. لحظة أليمة اعتقد خلالها قسمٌ كبيرٌ من المشجعين بأن الأمور انتهت عملياً وستكرّ سُبحة الأهداف الكورية، لكن عباس (أحمد) عطوي غالطهم جميعاً وسجّل من ركلة جزاء أيضاً مانحاً التقدّم للبنان.
كل شيء لُعب في الشوط الأول في تلك المباراة، وكل شيء كان منتظراً في الشوط الثاني بالنسبة إلى الضيوف، لكنّ أمراً واحداً أغفلوه، وهو أن الملعب الرابض في قلب العاصمة اللبنانية تحوّل وقتذاك عصياً على كل زائرٍ من كبار القارة، فهناك سقطت الإمارات وإيران أيضاً.
من هنا، لم تمرّ هذه النتيجة مرور الكرام منذ تلك اللحظة، لا بل إنه يمكن القول بأنها أعادت إطلاق روح الوطنية باتجاه المنتخب الوطني، والذي قطف ثمار ما تمّ العمل عليه لاحقاً عبر عودة الإيمان إليه بأنه يملك الإمكانات والمقوّمات، بعد فترةٍ صعبةٍ عاشها وفقد الكثير فيها من تلك الصورة التي رسمها عبر سلسلة نتائج لافتة في تسعينيات القرن الماضي وامتداداً إلى مطلع الألفية الجديدة، فكان التأهّل في نهاية المطاف إلى كأس آسيا 2019.
وفي كل مرّة تحضر فيها مباراة رسمية للبنان تعود الذاكرة مباشرة إلى ذاك اليوم التاريخي العظيم، فكيف هو الحال حالياً بانتظار اللقاء مع المنتخب الكوري الجنوبي مجدداً، حيث يتطلع محبو الكرة إلى نتيجة إيجابية جديدة يمكن أن تعطي دفعاً رهيباً، يحتاج إليه منتخبنا في مرحلة انتقالية يعيشها في الوقت الحالي.

الكوري مونديالي دائم
إذاً المباراة المرتقبة تحمل بُعداً مختلفاً عن كل تلك المباريات التي خاضها لبنان، إن كان في كأس آسيا أو في التصفيات حتى الآن، فهو ببساطة سيواجه منتخباً عالمياً يُعدّ من أفضل المنتخبات الآسيوية أو أفضلها بنظر الكثيرين إذا ما تمّ إحصاء نتائجه وأرقامه في العقد الأخير. لذا يمكن استثناء نتيجة «محاربي التايغوك» في البطولة القارية في الإمارات، حيث خرجوا أمام قطر البطلة في الدور ربع النهائي. أما سبب هذا الاستثناء فهو واقع المنتخب الكوري الجنوبي الذي ما انفك يسير في درب التطوّر، والدليل على ذلك أنه يسعى اليوم للتأهّل إلى كأس العالم للمرة العاشرة على التوالي، إذ أن المرة الأخيرة التي غابت فيها كوريا الجنوبية عن المونديال كانت في عام 1982. سلسلة طويلة بلا شكّ لم يحقق أفضل منها سوى منتخبات ألمانيا، البرازيل، الأرجنتين وإسبانيا. وهذه السلسلة تعطي دلالة واضحة على أن المنتخب الكوري لا يتوقّف عند مرحلة معيّنة، إذ أن الاستمرارية مؤمّنة وهي تسير إلى الأفضل في ظل التطوّر الرهيب على صعيد اللعبة عامةً في البلاد، وطبعاً على صعيد تخريج المواهب التي تجد الطريق غالباً إلى أوروبا. ببساطة المنتخب الكوري الحالي هو أقوى وأفضل بكثير من ذاك الذي حلّ ضيفاً على لبنان في عام 2011.

8 سنوات مرّت على أهم نتيجة في تاريخ لبنان بفوزه على كوريا الجنوبية 2-1


العودة إلى كأس العالم 2018 في روسيا تأخذنا إلى هذه القناعة بالتحديد. هناك ودّع الكوريون المونديال بفوزٍ صادمٍ على ألمانيا بهدفين نظيفين دفعا حامل اللقب إلى قعر المجموعة التي ضمّت المنتخبين إلى السويد والمكسيك. ويمكن القول بأنه من المرات النادرة التي يخرج فيها منتخب من العرس الكروي وهو يحتفل. احتفالات كانت مستحقة للكوريين الذين كسبوا احترام العالم أجمع وقدّموا أنفسهم بأنهم يمكنهم منازلة أي منتخبٍ آخر، والدليل على ذلك أنهم سيخوضون مباراة وديّة أمام البرازيل بعد 5 أيام على مواجهة لبنان وبالتشكيلة نفسها التي ستحضر إلى بيروت.

نجومٌ في آسيا وأوروبا
وعند التشكيلة الكورية يمكن التوقّف، فهي اليوم تؤكد مدى التطوّر المستمر لـ«نمور آسيا»، والامتداد الكبير الذي خلقه الكوريون في الكرة الأوروبية، حيث لم يعد التعاقد معهم مبنياً على لعبة التسويق واختراق سوقٍ غنية كبيرة على غرار ما كان عليه الأمر أيام تعاقد بيروجيا الإيطالي مثلاً مع آهن جونغ - هوان أو كما يُعرف بـ«قاتل إيطاليا»، بسبب تسجيله الهدف الذهبي الذي أقصى الطليان من الدور الثاني لمونديال 2002. لاعبٌ وصل إلى الـ«سيري أ» في تلك الفترة لأنه امتلك الحدّ الأدنى من المقوّمات الكروية التي تجعل منه لاعباً قادراً على تسويق النادي الإيطالي الباحث عن استغلال اسمه لتحقيق الأرباح، قبل أن تحلّ لعنته على إيطاليا كلّها و«يُهدر» دمه في «الكالتشو» الذي أُخرج منه.


اليوم يأتي إلى بيروت لاعبون يفوقون آهن كثيراً على صعيد الموهبة والإمكانات، وهم الذين تحوّلوا أحجاراً أساسية في الفرق الأوروبية التي يلعبون لها، وبعض الفرق الآسيوية المهمة أيضاً، إذ هناك عدد من اللاعبين الكوريين الدوليين الذين يلعبون مع أهم الفرق اليابانية والصينية وحتى القطرية، ما وضع هذه الفرق في واجهة المنافسة على لقب دوري أبطال آسيا التي بقيت الفرق الكورية الجنوبية أيضاً في دائرة المنافسة عليه، رغم الهجرة الكبيرة لنجومها في اتجاهات مختلفة، ما يعكس حجم المواهب الموجودة في تلك البلاد التي باتت اسماً كبيراً في الكرة الآسيوية منذ ستينيات القرن الماضي، وحقّقت أفضل نتيجة آسيوية في تاريخ المونديالات بحلول منتخبها في المركز الرابع في مونديال عام 2002 الذي استضافته بمشاركة اليابان.
اليوم لم يعد يقتصر الأمر على القائد سون هيونغ - مين، وهو اللاعب الأشهر في التشكيلة بفعل تألّقه المتواصل مع توتنهام هوتسبر الإنكليزي محلياً وأوروبياً. فهناك مع الكوريين يحضر النجم المتوقّع أن يخلف الكابتن الحالي وهو الموهوب هوانغ هي - تشان الذي لم يعرف يوماً أي نادٍ كوري بل إن أوّل عقد وقّعه كان مع ريد بُل سالزبورغ النمسوي الذي أعاره إلى هامبورغ الألماني قبل أن يستعيده ليتحوّل إلى أحد أبرز نجومه هذا الموسم، إذ يكفي تلك اللقطة التي لا تُنتسى، والتي قضى فيها على أحد أفضل مدافعي العالم الهولندي فيرجيل فان دايك خلال اللقاء مع ليفربول الانكليزي في دوري أبطال أوروبا، لمعرفة ما يمكن أن ينتظر منتخبنا بعد ظهر اليوم.
وهذا الثنائي ليس كل شيء ثقيلٍ في تشكيلة المدرب البرتغالي باولو بنتو، فهناك من يمكنه أن يصنع الفارق أيضاً، أمثال كوون تشانغ - هون لاعب فرايبورغ الألماني، ولي كانغ - إين لاعب فالنسيا الإسباني، وهوانغ ويي - جو لاعب بوردو الفرنسي.
هذه الأسماء هي عيّنة عن الحاضرين والغائبين من لائحة أسماء مهمة لا يمكن أن يوقفها سوى تلك الظروف التي أحاطت بالمنتخب اللبناني في ذاك النهار من عام 2011، فكان الفارق بين المنتخبين مجموعة من العوامل التي رجّحت كفّة لبنان، وهي ليست أرضية الميدان السيئة الحالة والتي لم تتناسب مع الأسلوب السريع في نقل الكرة والتحرك الذي يعتمده الكوريون حسبما قال مدربهم عامذاك، بل رغبة اللاعبين اللبنانيين وجوعهم لتحقيق الانتصار، وهدير الجمهور الذي لم يهدأ طوال الدقائق التسعين.