كانت تشيلي المفاجأة السارة في آخر نسختين من بطولة كوبا أميركا لكرة القدم. أرتورو فيدال وأليكسيس سانشيز وزملاؤهما دحضوا كل الكلام عن أن الأرجنتين والبرازيل هما الأفضل على الساحة القارية بالنظر الى النجوم العالميين في صفوفهما، فقلبوا المعادلة وباتوا المنتخب الذي يحسب الكل له ألف حساب.

كل هذا كان قبل سنوات. فبالنظر إلى التشكيلة التي تخوض منافسات كوبا أميركا، يمكن القول إن «لا روخا» يحتاج الى الكثير من العمل لمحاولة الاحتفاظ بلقبه في ظل المشاكل الكثيرة التي يعانيها منذ فترة، وكانت نتيجتها الحتمية الفشل في التأهل الى نهائيات كأس العالم 2018 التي استضافتها روسيا الصيف الماضي.
الواقع أن مشوار النجاحات لتشيلي خطّه جيل واحد بدأ عناصره في الاندماج مع بعضهم البعض عاماً بعد آخر، وذلك منذ بروزهم معاً في كأس العالم للشباب في عام 2007. بعد تلك الفترة، أصبحت تشيلي حاضرة بقوة في كل الساحات، إن كان المونديالية أو القارية، لكن بما أنها نامت على حرير، فقد وجدت نفسها في خضم مشكلة يصعب حلّها سريعاً وتتمثل بعدم تجديد نفسها، أو إذا صح التعبير عدم وجود المواد الأولية لإتمام هذه العملية.
العودة الى الماضي تعكس صوراً متشابهة حول هذه الحالة. من البيرو عام 1970، مروراً ببوليفيا التي بلغت مونديال 1994، وقبلها كولومبيا في مطلع التسعينيات. كل هذه المنتخبات سجّلت حضوراً قوياً، لكنها انكفأت لاحقاً بسبب عدم سيرها في ركب التطور أو إذا صح التعبير عدم تغييرها لجلدها، فسقطت في الفخ نفسه.
تعاني تشيلي من المعضلة نفسها قبل انطلاق مشوار دفاعها عن لقبها في كوبا أميركا، وهو أمر عرفه القيّمون الذين سارعوا الى تعيين الكولومبي رينالدو رويدا على رأس المنتخب، وهي خطوة جيدة كون الرجل يحسن تطوير المواهب بشكلٍ كبير، لكن ماذا يمكنه أن يفعل إذا ما اختفت المواهب الجديدة عن الساحة؟
هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، والتي تبدو الإجابة عنه صعبة جداً. ففي زمنٍ تعاني فيه تشيلي من ذهاب نجومها أمثال فيدال وسانشيز للاهتمام بمسيرتهم الخاصة المضطربة، ومع تقدّم عناصر آخرين في السن، يبدو الحل الوحيد هو البحث في المناجم التشيليانية عن مواد جديدة، لكن النتيجة كانت المزيد من المواد الأولية الصناعية، دونها الكروية.
هذا الأمر لا يتقبّله حالياً الرأي العام التشيلي أو الصحافة المحلية التي تصوّب دائماً على الفشل بدلاً من الإضاءة على أن عملية الترميم تحتاج الى الوقت، وهي مسألة شرع «رويدا» في العمل عليها رغم الأجواء السلبية التي تحيط بعمله وتهدد عملية الترميم أكثر، اذ مع كل نتيجة سلبية، تخرج العناوين متوقعة إقالته أو تضغط لإقرارها من قبل الاتحاد المحلي.
صحيح ان رويدا لا يزال مصرّاً على اختيار أسماء مخضرمة، أمثال غاري ميديل وجان بوسيجور وغونزالو خارا، لكنه ايضاً استبعد اسماء اخرى امثال الحارس المعروف كلاوديو برافو الذي اعتاد حمل شارة القيادة، وذلك من دون ان يُحرَج في منح الفرصة بين الخشبات الثلاث للحارس الأرجنتيني الأصل غابريال أرياس. أضف الى الدفع بأسماء ووجوه جديدة على غرار مدافع ألافيس الإسباني غييرمو ماريبان، ومهاجم باتشوكا المكسيكي أرتورو ساغال.
كل هذه العملية تبقى متواضعة امام ما يحتاج إليه المنتخب التشيلياني من عمل كبير للوقوف في صف الكبار مجدداً، ولكي لا يعيش فترات صعود وهبوط، على صورة ما عرفه قبل المونديال الروسي عندما بلغ نهائي كأس القارات في عام 2017 وخسره أمام منتخبٍ ألماني شبه رديف، حيث رأت قلّة أن ما حصل هو جرس إنذار لبدء مشروعٍ جديد يمكنه أن يطلق «لا روخا» مجدداً باتجاه منصات التتويج. اما الأكيد أكثر فإن مشروعاً كهذا يحتاج الى سنواتٍ من العمل، وخصوصاً ان اللاعبين التشيليين لا يخرجون الى اوروبا في سنٍّ صغيرة، بل يظهرون في الأندية المحلية التي يتأسسون فيها، وهو الأمر الذي يؤثر على عملية تطورهم بالصورة المطلوبة، فالنجوم الحاليون الذين انتقلوا الى اوروبا في مقتبل العمر تطوروا أسرع من غيرهم وبلغوا درجة عالية من النجومية.
بطبيعة الحال، تملك تشيلي فرصة لإطلاق روحها من جديد من خلال وجودها في مجموعة مقبولة في كوبا أميركا، حيث ستواجه الأوروغواي والإكوادور والضيف الياباني، وبالتالي فإن تحقيق نتائج إيجابية في دور المجموعات يمكن أن يعيد الى التشيليين جزءاً من البريق الذي فقدوه والثقة التي باتت معدومة إثر صدمة الفشل ببلوغ المونديال الأخير.