خيبة أمل كبيرة تعيشها الجماهير الأرجنتينية بعد الخسارة القاسية التي تعرض لها المنتخب على يد كولومبيا (2 ـ 0)، في الجولة الأولى من منافسات المجموعة الثانية في مسابقة كوبا أميركا. هو الفوز الأول لكولومبيا على الأرجنتين في المسابقة القارية منذ 20 عاماً، كما أنها الخسارة الأولى في المباراة الافتتاحية للأرجنتينيين في المسابقة منذ 40 عاماً. أزمة بلاد التانغو كبيرة، وأولها المدربون.

منذ 2008 وحتى اليوم، تغيّر الرّجل الذي يجلس على مقاعد بدلاء المنتخب الأرجنتيني ست مرّات. أي أن هناك سبعة مدربين تعاقبوا خلال ما يقارب عشر سنوات على تدريب منتخب التانغو. من الأسطورة الحيّة دييغو أرماندو مارادونا، وصولاً إلى اللاعب السابق في المنتخب الأرجنتيني، ليونيل سيباستيان سكالوني. 7 وجوه درّبت نجم برشلونة الحالي وقائده ليونيل ميسي على مدار عقد من الزّمن. لمن يستهين بهذا الرّقم، عليه ان ينظر إلى سجلّ مدربي المنتخب الألماني منذ 1908 حتى 2019. عشرة مدربين فقط، على مدار أكثر من 100 سنة من الزمن، وقفوا على العارضة الفنية لـ«المانشافت». ويكفي أيضاً مشاهدة مدربين آخرين في منتخبات أخرى، لاتينية كانت أو أوروبية، لمعرفة مدى أهميّة الثبات على مدرب ناجح، يعطي كل ما لديه لخدمة 11 لاعباً، وقبل كل ذلك، لخدمة شعب بأكمله. الحديث هنا عن كل من يواكيم لوف، مدرب المنتخب الألماني، المدرب الذي تسلّم مهماته التدريبية في 2006، وتحديداً بعد انقضاء كأس العالم التي فازت بها إيطاليا. 13 سنة، لم يفكّر الاتحاد الألماني بإقالة لوف، لماذا؟
بكل بساطة، لأن لوف قام بعمل مميّز برفقة «الماكينات الألمانية» في الفترة التي قضاها والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم. يكفي للشعب الألماني وللاعبين في المقام الأوّل تحقيقهم لقب كأس العالم 2014، فهذا الإنجاز في حد ذاته يدعو إلى الفخر، وإلى الثقة التي لا يمكن استغراب منحها من قبل الاتحاد الألماني للوف. صحيح أن لكل بداية نهاية، وها هو لوف يعاني الأمرّين اليوم، إلا أن الثقة لم تغب، بل إنها زادت عن قبل، وها هو لوف يتعلّم من أخطائه السابقة، وأدرج اسم المهاجم الألماني السينيغالي الأصل لوروا سانيه ضمن التشكيلة، وغيرها من الأسماء التي أخطأ في عدم استدعائها في البداية. لوف في ألمانيا، تاباريز في الأوروغواي، روبرتو مارتينيز في بلجيكا، ديدييه ديشان في فرنسا، ديلبوسكي سابقاً مع إسبانيا، كلها نماذج ناجحة لمدربين ناجحين في تاريخ تدريب المنتخبات الأوروبية وغير الأوروبية.

غيّر الاتحاد الأرجنتيني 7 مدربين في حوالى 10 سنوات فقط


مما لا شك فيه أن المشكلة الأساسية التي يعانيها المنتخب الأرجنتيني ككل، هي التغيير الدائم للمدرب بين سنة وأخرى. ولكن المشكلة الأخرى التي لا تقل أهميّة عن التي سبقتها، هي هويّة هؤلاء المدربين، ومن هم؟ وما هو تاريخهم التدريبي؟ إن كان على صعيد تدريب الأندية أو المنتخبات. لطالما كانت الأرجنتين من بين الدول التي تخرّج الكثير من اللاعبين الموهوبين للعالم، يكفي وجود كل من الجوهرتين ليو ميسي ودييغو مارادونا في تاريخ كرة القدم، ليعلم الجميع كم أن بلاد «تشي» لا تنفكّ عن إنتاج «العظماء».
لكن، ليس كل لاعب «أسطوري» إذا صح التعبير، بإمكانه أن يرفع عصاً سحرية، ويحوّل نفسه إلى مدرب «أسطوري» في الوقت عينه. تجارب كثيرة، أبرزها تجربة مارادونا ما بين عامي 2008 و2010. خسر «راقصو التانغو» برباعية نظيفة أمام ألمانيا في ربع نهائي كأس العالم، ما دفع الاتحاد إلى اتخاذ قرار إقالة «دييغيتو». المشكلة ربّما أيضاً تتخطّى المدربين، فالفساد وعدم الإحساس بالمسؤولية هي أمور موجودة لدى بعض المسؤولين في الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، كما خياراته السيئة التي تتكرّر مع إقالة كل مدرب. قائد المنتخب الأرجنتيني، وقائد برشلونة الإسباني، ليونيل ميسي، قررّ منذ 2016 مقاطعة الاتحاد الأرجنتيني، ولم يعد يرد على جل من يتحدث معه من قبله، وهذا متوقع من نجم قدّم كل ما لديه من طاقة لجلب بطولة قارية إلى بلده الأم، ولاقى كل هذا النقد من اتحاد كرة قدم، لم يقم حتّى بأقل الواجبات التي يجب على كل اتحاد بلد ما، القيام بها. المسؤولية تقتضي توظيف الشخص المناسب في المكان المناسب، مسؤولية تعتمد على إقناع المدربين الأرجنتينيين المميزين في أوروبا، في أن يكونوا مدربي «الألبي سيليستي»، والحديث هنا عن كل من دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد، مارسيلو بييلسا مدرب ليدز يونايتد ومارسيليا السابق، المعجزة بوكيتينو مدرب توتنهام، كلها أسماء جديرة بتدريب ميسي، وبتدريب لاعبين، لم يتذوقوا طعم الفوز برفقة منتخب بلدهم.

من المتوقع أن تكون البطولة الأخيرة لليونيل ميسي


مدربون كثر، من مارادونا، تاتا مارتينو، سابيللا، باتيستا، باوزا، سامباولي، وصولاً إلى المدرب الحالي سكالوني، كلهم لم يكن لديهم أي تاريخ يجعل الجماهير تتنبّأ بعودة أرجنتينية على الساحة العالمية من جديد. ربّما يبقى سامباولي المدرب الوحيد الذي يملك تاريخاً يمكن وصفه بالـ«جيد» مع تشيلي، إلا أن إنجازاً محلياً واحداً لا يعني أن المدرب أصبح لديه كل المقومات ليصبح «المنقذ المنتظر» وتجربته مع النادي الإسباني إشبيلية أكبر دليل. لا يمكن إنكار أن المدربين الشباب ربّما لديهم أفضلية عن غيرهم، ولكن حتى الآن الأمور لم تتحسن، والدليل على ذلك هو خسارة المباراة الأولى في كوبا أميركا. الفرصة لا تزال متاحة لسكالوني ومساعده بابلو آيمار. الرجلان وضعا بعض اللمسات التي من الممكن أن تبشر خيراً في المستقبل. أسماء مميّزة أقدم سكالوني على استدعائها، أسماء لم تكن لترتدي هذا القميص المخطط بالأبيض والأزرق في حياتها لو تم الإبقاء على سامباولي. أسماء كنجم ريال بيتيس جيوفاني لوسيلسو، لاعب خط وسط واتفورد الإنكليزي روبرتو بيريرا، لياندرو باريديس لاعب زينيت السابق والـ«بي أس جي» الحالي، لوتارو مارتينيز مهاجم إنتر ميلانو الإيطالي، وغيرهم الكثير. الاختبار الأول لم يكن ناجحاً، ولكن الفرصة موجودة عند مواجهة باراغواي فجر الخميس، وقطر ليل الأحد المقبل. ميسي ورفاقه مطالبون بالفوز، فهي ربما تكون الفرصة الأخيرة لأفضل لاعب في العالم.