ربما كان مهاجم ريال مدريد، الفرنسي كريم بنزيما، يبالغ عندما وصف القدم اليسرى لمواطنه الفرنسي صاحب الأصول التونسية حاتم بن عرفة، بأنها أفضل من قدم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي. الأخير، لا جدال في أنه اللاعب الأفضل في العالم، وأن ما يقوم به في كل مباراة يقدمها، هو أمر أقرب إلى الخيال، والركلة الحرّة في مباراة ليفربول في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا أكبر دليل على ذلك. بنزيما على دراية تماماً بأن ليو ميسي أفضل من بن عرفة، إلّا أن ما كان يقصده كريم، يتمثل بأن نجم نيوكاسل يونايتد الإنكليزي السابق ولاعب رين الفرنسي الحالي، يتمتّع بموهبة فريدة، موهبة فطرية، ولد بها بن عرفة في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس تدعى كلامار. ينحدر نجم نادي رين من عائلة من أب تونسي (كامل بن عرفة) وأم فرنسية. كغيره من المهاجرين العرب والأفارقة، سافر والد بن عرفة (الذي كان لاعب كرة قدم أيضاً) إلى باريس بهدف العمل، لتأمين حياته وحياة زوجته وولده حاتم. عاش بن عرفة حياته في فرنسا، بل أصبح فرنسياً، وشارك مع منتخب «الديوك» الأول في عدّة مناسبات على حساب منتخب بلده الأم تونس (هناك عدّة لاعبين عرب اختارو اللعب لفرنسا على حساب بلدانهم العربية الأصلية والقائمة تطول، من بنزيما، وسام بن يدر، نبيل فقير، حسام عوّار، عادل رامي...). كان فريق ليون الفرنسي النادي الأوّل الذي ارتدى بن عرفة ألوانه الزرقاء والبيضاء، بل إنه يعدّ من أبناء هذا النادي المميّز الذي تخرج منه العديد من اللاعبين الفرنسيين الموهوبين، أصحاب الأصول العربية.

مسيرة اللاعب التونسي الفرنسي مرّت بالكثير من فترات الصّعود والهبوط، نظراً لعدّة عوامل، من بينها عدم الاستقرار في نادٍ معيّن، حيث تنقّل بن عرفة بين الكثير من الفرق الأوروبية خلال مسيرته. لعلّ أبرز فريقين لعب لهما بن عرفة هما كل من النادي الإنكليزي نيوكاسل والفرنسي مارسيليا. أفضل فترات صاحب القدم اليسرى الساحرة كانت من دون أدنى شك في مدينة نيوكاسل، حيث قدّم أفضل سنواته مع النادي الإنكليزي العريق. سجّل بن عرفة هدفاً أطلقه إلى العالمية، هدف لم يكن عادياً، حتى إن الإعلام الإنكليزي بدأ بمقارنته بأهداف كل من ليونيل ميسي نجم برشلونة في مرمى خيتافي، وهدف الظاهرة الأرجنتينية الأخرى دييغو أرماندو مارادونا في مرمى المنتخب الإنكليزي في نصف نهائي كأس العالم 1986. سجّل بن عرفة في مسيرته العديد من الأهداف الفردية، أي التي يعتمد فيها اللاعب على نفسه، ويقرر اختراق الدفاع بأكمله، مطلقاً العنان لمهاراته الفردية في تخطي المدافعين. بعد فترته المميزة في نيوكاسل، التي عرفت هبوطا كبيراً في مستوى حاتم في السنة الأخيرة، دون معرفة أسباب هذا الهبوط، انتقل التونسي ـ الفرنسي إلى فريق هال سيتي الإنكليزي الآخر. سنة واحدة للنسيان، قضاها هناك، لينتقل بعدها إلى النادي الفرنسي الذي استعاد من خلاله بن عرفة كامل قوّته وعافيته النفسية والفنية، نادي نيس الجنوبي. الأخير كان بمثابة البيئة الحاضنة المناسبة لبن عرفة، حيث قدّم موسماً استثنائياً على سواحل المتوسط. كان النادي يضم العديد من اللاعبين الشباب الموهوبين على غرار الفرنسيين كوزييللو وسيبريان، ظهير نادي لستر سيتي الحالي البرتغالي ريكاردو بيريرا، مهاجم نادي بوروسيا مونشنغلادباخ الألماني الحالي، الفرنسي لحسن بليا. سجّل بن عرفة 18 هدفاً إضافة إلى 7 تمريرات حاسمة، أدّت إلى وضع اسمه في لائحة تشكيلة السنة للدوري الفرنسي في موسم 2015-2016.
عدّة عوامل أدّت إلى تدهور مستوى «الفنان» الفرنسي مرّة أخرى، ولكن السبب الأكبر، عدم استدعائه من قبل مدرب المنتخب الفرنسي ديدييه ديشان إلى استحقاقات بطولة كأس الأمم الأوروبية يورو 2016، التي أقيمت في فرنسا نفسها. من الطبيعي أن يصاب بن عرفة بخيبة أمل كبيرة، فإن ما قدّمه من موسم استثنائي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لم يتوّجه على الأقل، بأن يكون إلى جانب زملائه الفرنسيين في يورو 2016. لم يعلم حتى الآن أحد ما سبب هذا التجاهل لبن عرفة، ربما هي العنصرية الفرنسية، أو عنصرية ديديه ديشان تحديداً. تجاهل نزل كـ«الصاعقة» على مستوى المهاري التونسي، خاصة أن هناك لاعبين لم يقدموا نصف ما قدّمه بن عرفة، إلّا أنهم كانوا جاهزين في معسكرات تدريب منتخب «الديوك»، والحديث هنا عن كل من أوليفييه جيرو، أندريه بيير جينياك، أنتوني مارسيال وكينغسلي كومان. بعد هذه الخيبة، انتقل بن عرفة إلى «مقبرة النجوم»، وتحديداً إلى نادي العاصمة الفرنسية باريس سان جيرمان، حيث تحول بين موسم وآخر، من نجم أول، إلى حبيس مقاعد البدلاء. ربما كانت فترته مع باريس سان جيرمان هي الأسوأ، وهناك تعرض لظلم كبير، وعنصرية كبيرة. بعد سنة سيئة نفسياً لبن عرفة مع الـ«PSG»، انتقل من جديد إلى فريق رين الفرنسي، ليقف على قدميه مرة أخرى، وينتقم من الباريسيين، ويفوز عليهم في نهائي كأس فرنسا، ليرفع بن عرفة، كأساً، ربّماً كانت بمثابة تتويج لمسيرة لاعب، استحق مشواراً أفضل من الذي قام به بكثير.