منذ زمن إنزو شيفو وبلجيكا تبحث عن نجمٍ فعّال يقودها إلى المجد. النعم هبطت على هذه البلاد بالجملة، فبات المدربون المتعاقبون على تدريب المنتخب في حيرة من أمرهم في كل مرّة أرادوا اختيار التشكيلة الأساسية وتسمية المهاجمين فيها، وذلك بالنظر إلى وفرة الهدّافين الموجودين حالياً في بلاد البلجيك بعكس ما هو عليه الحال في بلدانٍ قريبةٍ منهم.

ويمكن ضرب المثل ببلدانٍ مختلفة اعتادت تقديم المهاجمين الأقوياء لأكبر الأندية وتالياً لمنتخباتها، وبالنظر إلى الجارة هولندا، فهي البلاد التي أنجبت يوهان كرويف ويوهان نيسكنز، ورود غوليت وماركو فان باستن ودينيس بيرغكامب ورود فان نيستلروي، ولكنها تعاني للتخلص من نقطة ضعفها المتمثلة بعدم إيجادها لمهاجمٍ واحدٍ على صورة واحدٍ من الأسماء المذكورة.
أما الجار اللدود لهولندا أي ألمانيا فهي الأخرى لم تجد في بطولتها هدافاً مرعباً على شاكلة غيرد مولر أو يورغن كلينسمان أو ميروسلاف كلوزه، بل تعمد إحياناً إلى زرع لاعب وسط مهاجمٍ في قلب الهجوم علّه يعوّض النقص في هذا المجال. وتطول اللائحة أيضاً لتشمل منتخباً كبيراً آخر هو إيطاليا، وهي الباحثة بدورها أيضاً عن رأس حربةٍ واحد يمكنه ملء المركز المطلوب.
أما بلجيكا فهي تبدو اليوم على صورة فرنسا في أواخر تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الجديد، إذ بات هناك شيء أشبه بالعرف في البطولات الأوروبية الوطنية، يقول: «إذا أردت الفعالية والألقاب يجب أن تتعاقد مع لاعبٍ هجومي بلجيكي».
وهنا يذهب المؤمنون بهذه المقولة إلى ذكر اسم مهاجم ليفربول ديفوك أوريجي. الأخير أطلّ من الظلمة وسدّد ثلاث كرات باتجاه المرمى في المراحل الحاسمة من عمر دوري أبطال أوروبا، فهزّ شباك برشلونة الإسباني مرتين، ومن ثم توتنهام هوتسبر في المباراة النهائية، فبات بأقلّ مجهودٍ ممكن أحد أبطال إنجاز «الريدز».
وأوريجي ليس بالاسم الكبير الذي يمكن مقارنته بكل تلك الأسماء الموجودة في التشكيلة البلجيكية في ما خصّ الشق الهجومي، حيث وُلدت منافسة داخلية تنطلق على المراكز الأساسية، وتذهب باتجاه التنافس على لقب الأفضل في تاريخ الفوتبول البلجيكي. مهاجم مانشستر يونايتد الإنكليزي روميلو لوكاكو قالها يوماً: «أنا أفضل مهاجم في تاريخ البلاد، وأقف على بُعد كيلومتر من غيري». عبارة لا شك في أنها تعكس التحدّي الساخن بين النجوم البلجيكيين على لقب الأفضل حالياً وتاريخياً، ما انعكس فعالية رهيبة لهم في المباريات الدولية، وأيضاً خلال دفاعهم عن ألوان أنديتهم.

تبلغ القيمة المالية الإجمالية لمهاجمي بلجيكا 467 مليون دولار


لوكاكو هو الأفضل بلا شك بين أبناء جيله بأهدافه الـ48 التي سجلها في 81 مباراة دولية، أي أنه هزّ الشباك في أكثر من نصف المباريات التي خاضها بقميص منتخب بلاده. هو لا يزال في الـ26 من العمر أي أنه بإمكانه بلوغ المئوية بسهولة في ظلّ التركيبة الهجومية المبني عليها منتخبه، إذ إن الجميل في المنتخب البلجيكي هو عدم وجود أيّ تحفظٍ في طريقة اللعب بغض النظر عن الخصم، وهو ما ينعكس في أرقام مهاجمين آخرين أيضاً، فإذا أُخِذَ على سبيل المثال الموهوب الآخر ميتشي باتشواي، فإنه رغم عدم حجزه مركزاً أساسياً غالباً فقد سجّل في نصف المباريات التي لعبها مع المنتخب بمجموع 13 هدفاً في 26 مباراة دولية. كما أن رقم كريستيان بينتيكي ليس سيئاً بالنسبة إلى مهاجمٍ كان الخيار الثالث في معظم فترات مشواره الدولي، إذ سجل حتى الآن 12 هدفاً في 34 مباراة.
من هنا، ليس مستغرباً أن تلهث الأندية الأوروبية وراء المهاجمين البلجيكيين بغضّ النظر عمّا إذا تراجع مستوى بعضهم في بعض الفترات أو أي شيء من هذا القبيل، إذ يكفي القول أن يكون لاعباً مثل لوكاكو تمّ انتقاده بشكلٍ كبير خلال الموسم المنتهي، لا يزال محطّ اهتمام حوالى 10 أندية في أوروبا بحسب ما يتردّد في سوق الانتقالات. كذلك، يختصر مجموع القيمة المالية لمهاجمي المنتخب البلجيكي كل الكلام، إذ بحسب موقع «ترانسفرماركت» المتخصّص تصل قيمتهم إلى 467 مليون دولار مقابل 287 مليون دولار للاعبي الوسط الذين يعدّون من الهدافين بدورهم.
وذكرُ لاعبي وسط منتخب بلجيكا هو للدلالة على أن هؤلاء هم أكثر من صنّاعٍ للعب، بل هم في صلب المنظومة الهجومية الناجحة، ويأتي على رأسهم النجم الجديد لريال مدريد الإسباني إيدين هازار الذي يقف خلف لوكاكو على صعيد التهديف الدولي (30 هدفاً في 102 مباراة). ومع هازار ولدت نوعية لاعبين لا يمكن تحديد مركزهم الحقيقي على أرض الملعب كون كل تفكيرهم ينصبّ في كيفية مهاجمة منطقة الخصم، على غرار ما يفعل نجم نابولي الإيطالي دريس مرتنز، أو نجم مانشستر سيتي الإنكليزي كيفن دي بروين. وهؤلاء فتحوا أعين الأندية الأوروبية على هذا النوع الفعّال من اللاعبين المجتهدين والمهاريين في آنٍ معاً، والذي يبدو وكأنه وُجد في بلجيكا فقط، فأطل يانيك كاراسكو سابقاً مع أتلتيكو مدريد الإسباني (يلعب حالياً في الصين، لكنّه مرشّح للعودة إلى أوروبا هذا الصيف مع آرسنال الإنكليزي أو بايرن ميونيخ الألماني)، ومنذ فترة ليست ببعيدة ثورغان هازار مع بوروسيا مونشنغلادباخ الألماني والذي انتقل منه حديثاً إلى مواطنه بوروسيا دورتموند.
إذاً هو زمن البلجيكيين الذين يملكون أسحلة ثقيلة وذخيرة وفيرة، لكن كلّ هذا الثقل يبقى في إطار النجاحات الفردية إذا لم يوظّف في خدمة المنتخب الذي لم يعرف يوماً طعم الألقاب العالمية أو الأوروبية، رغم أن التفاؤل يبدو كبيراً لـ«احتلال أوروبا» في الكأس المنتظرة عام 2020، وذلك بعد تحقيق «الشياطين الحمر» أفضل إنجازٍ لهم في المونديال الأخير بحصولهم على المركز الثالث.