توقّف العدّاد. المكان الذي خرج منه أحد أفضل أجيال كرة القدم على مرّ التاريخ، لم يعد كما في السابق، بل إن الـ«ماكينات»، على ما يبدو، قد تعطّلت. وصلت مدرسة نادي برشلونة، والتي تعرف بأكاديمية «لا ماسيا»، إلى أقصى مراحل العجز منذ 1988. في تلك السنة، قدّم مدرب نادي برشلونة الراحل يوهان كرويف هذه الفكرة لرئيس النادي خوسيه لويس نونيز، لكي تكون مطابقة لمثال حي قد نجح في السابق، والذي يتمثّل بمشروع نادي أياكس أمستردام الهولندي في سبعينيات القرن الماضي.

خرّجت الأكاديمية عدداً كبيراً من النجوم السابقين والحاليين، والنادي الأكثر استفادة من نتاج هذه المدرسة، هو النادي الأم، أي برشلونة. الأخير، وبالقرب من ملعبه الخاص «كامب نو»، تقع مدرسة «لا ماسيا»، الأكاديمية التي خرّجت الـ«برغوث» الأرجنتيني ليونيل ميسي والكثير من المبدعين كروياً.
تم بناء هذه المنشأة الرياضية في 1702، وكان من المقرّر أن تكون مقراً للنادي في 1966. وبعد 13 سنة، وتحديداً في 1979، تقرر أن تكون مقراً لتدريب اللاعبين الناشئين. في بداياتها، لم تكن الأكاديمية تستوعب أكثر من 60 متدرباً، بينما ترعى اليوم ما يفوق 300 لاعب ناشئ.
في 2009، تحقق هدف «لا ماسيا». حينها تمكّن ميسي، نجم برشلونة، من الفوز بالكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم، والذي بدوره كان أول لاعب متخرّج من الأكاديمية يحقق اللقب الفردي الأهم. يشرح المدير التقني السابق في نادي برشلونة بيب سيغورا ماهيّة هذه المدرسة والفلسفة التي اعتمدها النادي، والتي أوصلته إلى السيطرة على أوروبا بين 2008 و2012، ويقول «الأمر متعلق بولادة فلسفة واحدة، عقلية واحدة، من أسفل النادي إلى القمة، تكوّنت هذه الفلسفة من خلال تطبيق طريقة لعب المنتخب الهولندي، والتي تعتمد على مبدأ الكرة الشاملة، أو كما تعرف بالـ«total football»، إضافة إلى مزجها واختلاطها بطريقة اللعب الإسباني التقليدي والتي تعتمد على اللمسة الواحدة والتي عرفت بـ(تيكي تاكا)».

تشكيلة برشلونة موسم 2012 كانت من متخرّجي الأكاديمية


في 2012، وتحديداً في إحدى مباريات برشلونة بالدوري، أصيب الظهير البرازيلي داني ألفيس عند الدقيقة الـ13، وتمّ استبداله اضطرارياً بمارتن مونتويا. مع حدوث هذا التبديل، أصبح النادي الكاتالوني يملك في تشكيلته الأساسية 11 لاعباً من مدرسة «لاماسيا». شكل هذا الامر حدثاً فريداً، تحدث عنه الكثير من وسائل الإعلام الرياضية الأوروبية. 11 لاعباً تخرّجوا من مدرسة واحدة، يلعبون لفريق واحد، تحت راية واحدة، راية برشلونة. ليونيل ميسي، بيدرو رودريغيز، سيسك فابريغاس، أندريس إنييستا، تشافي هيرنانديز، سيرخيو بوسكيتس، جيرار بيكيه، فيكتور فالديز، جوردي ألبا، القائد كارلس بويول إضافة الى مونتويا. 11 لاعباً، عدد تقلّص الى 5 مع الوقت. أربعة من هؤلاء الخمسة يشاركون كأساسيين وهم، بيكيه، ميسي، بوسكتس وألبا.
المدرسة «الذهبية»، لم تعد تنجب لاعبين مميزين كما في السابق. كرة القدم تغيّرت، أصبحت رأسمالية، المال على حساب المتعة، والنتائج على حساب البناء. 120 مليون يورو دُفعت للحصول على مجهودات الفرنسي أنطوان غريزمان، الذي كان بمثابة رصاصة الرحمة التي وجّهتها إدارة النادي لمدرستها. قبل «غريزو» كان فيليبي كوتينيو، 160 مليون يورو، وقبل البرازيلي كان عثمان ديمبيلي بـ100 مليون يورو، واليوم دخل إلى القائمة لاعب هولندي جديد، هو فرنكي دي يونغ (80 مليون يورو). أرقام فلكية، لم تعتدها الجماهير، لكنها تأقلمت في نهاية المطاف بسبب تراكم الأسماء منذ 2013 حتى اليوم.
أسماء كالمهاجم الأوروغواياني لويس سواريز، الذي كان أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي ووصلت قيمة انتقاله إلى الكامب نو لـ80 مليون يورو. الأمر عينه بالنسبة إلى نيمار. الثقافة اختلفت، لم يعد برشلونة النادي الذي يعتمد على متخرّجيه، بل مع فتح كل سوق انتقالات صيفية، تبرم الإدارة صفقة من العيار الثقيل مقابل الملايين. وهذا ما يؤكّد تغيير سياسة النادي. بعد أن كان الاعتماد على بيدرو في دوري الأبطال، اليوم، بيدرو لم يعد كافياً، بل إن أمثال بيدرو لم تعد تنتجهم المدرسة الكاتالونية أصلاً.
المدرسة التي ترشّح ثلاثة من متدرّبيها لجائزة أفضل لاعب في العالم موسم 2012 (ليونيل ميسي، أندريس إنييستا وتشافي هيرنانديز)، ليس هناك اليوم واحد من لاعبيها حاضراً لترك بصمته في النادي الذي أطلق هذه المدرسة إلى العالمية. أسماء متواضعة ككالروس ألينيا، ريكوي بويغ، سيرجيو روبيرتو، تناوبت على تشكيلة المدرب أرنستو فالفيردي في الموسمين الماضيين. عدا ذلك، لم تعد المدرسة منتجة كما السابق، بل إن برشلونة نفسه قد تغيّر، فكيف ستكون حال الأكاديمية؟.