لم يكن الباحثون والمخترعون يعلمون أن ألعاب الفيديو قد تتطورت إلى الحد الذي بلغته الآن. تطور رسمَ أخيراً عالماً افتراضياً، دخل قلوب الأطفال والمراهقين وحتّى «الكبار». ومع التقدّم في الأبحاث وغيرها من الأمور التي تُصنع لمدمني ألعاب الفيديو يوماً بعد يوم لعبة جديدة، خرجت من هذا العالم الافتراضي لعبة، أصبحت الشغل الشاغل لجميع متابعي كرة القدم والشغوفين بهذه الرياضة. «FIFA»، هو اسم لعبة الفيديو التي يتبنّاها الاتحاد الدولي لكرة القدم وليست «مصادفة» أنها على اسمه! منذ 29 عاماً، ومع بداية كل عام جديد، تنتج شركة «EA SPORTS» نسخة مطورة من «FIFA» جديدة، لكن المفارقة أن الاتحاد الدولي، وبرأي كثيرين، لا «يتطور» كثيراً، أو لا يتغيّر كثيراً!

اللعبة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكرة القدم الحقيقية

يختلف اسم اللعبة من سنة إلى أخرى بزيادة رقم السنة إلى جانب الاسم. نسخة السنة تقع تحت مسمّى «FIFA 19» لأنها خاصّة بسنة 2019. هذه ألِف باء اللعبة. لكن، ما يمكن شرحه عن التطوّر التكنولوجي الذي شهده عالم الألعاب الإلكترونية، هو أن هذا العالم، بات مرتبطاً كل الارتباط مع العالم الحقيقي، وتحديداً بعالم كرة القدم الحالي، الأوروبي منه والآسيوي وغيرها من القارات. كيف تكمن هذه العلاقة بين هذين العالمين؟ بدايات هذه العلاقة، كانت منذ أن أصبح هناك علاقة أخرى «على الهامش» بين اللعبة و«الانترنت» الذي اجتاح العالم في السنوات الأخيرة. فما أن اتصلّت الـ«FIFA» بالإنترنت، حتّى أصبح المستخدم لهذه اللعبة، يشعر وكأنه على دراية بكل ما يحدث في عالم كرة القدم ـ خاصةً الأوروبية ـ من خلالها. ولعلّ أبرز الجوانب التي تشهد في كل عام زخماً كبيراً من اللاعبين والمدمنين على لعبة «FIFA» والتي توزّعها كل من شركتي «PLAYSTATION-SONY» و«XBOX»، هو خانة الـ«ULTIAMTE TEAM»، أو بمعنى آخر، «إصنع فريقك بنفسك».
باتت الأندية الأوروبية تؤسس فرقاً افتراضية وتقوم بتدريب اللاعبين للمشاركة في البطولات


يعتبر هذا الجانب، ربّما، من أنجح ما يمكن أن تنتجه لعبة في تاريخ ألعاب الفيديو. ثمة إقبال كبير يشهده هذا الجانب منذ أن بدأ في عام 2008. 11 سنة متتالية، ما انفكت شركة «EA» تنتج اللعبة، والتي بداخلها يوجد ما يعرف بـ«FIFA ULTIMATE TEAM». لا بدّ من شرح هذا التطور، وعلى ماذا يقوم، ولم هذا الإقبال الكبير من المستخدمين والناس عليه في كل سنة.
الفكرة ببساطة، تبدأ باللعب من «الصفر»، أي أنه لا يمكن لأيّ من المستخدمين أن يملك الـ«كوينز» (العملة المستخدمة داخل اللعبة، وهي عملة افتراضية ولا علاقة لها بأي عملة حقيقية). وبعد لعبه للمباريات، واحدة تلو الأخرى، يصبح بإمكان اللاعب يوماً بعد يوم، ومن خلال الـ«كوينز» التي حققها وربحها عبر لعبه لمباريات عدّة، شراء اللاعبين الذي يريدهم، وإقحامهم في فريقه الخاص، الذي سيشكّله «على مزاجه». وفي الحديث عن العلاقة الحقيقية ـ الافتراضية، لا يمكن نسيان «فريق الأسبوع» أو «TEAM OF THE WEEK»، الذي يتشكّل مع نهاية كل جولة من الدوريات الأوروبية، والذي يضم أفضل اللاعبين الذين تألقوا في الأسبوع الماضي.
اللاعبون هم عبارة عن بطاقات، ولكل بطاقة طاقتها الخاصّة، وفي حال تميّز لاعب في أسبوع ما، تنتج له الشركة بطاقة جديدة (بطاقة مطوّرة)، ذات طاقات أكبر وأعلى من طاقات البطاقة العاديّة للاعب. هذه الإغراءات، تدل على أن علاقة لعبة «FIFIA ULTIMATE TEAM» بالعالم الواقعي، هي من بين أبرز الأسباب وراء نجاح هذا المشروع الكبير. يبقى الربط بين العالمين الافتراضي والحقيقي فكرةً بحد ذاتها، شغلت جميع محبي اللعبة ومحبي هذه الرياضة. وهذا يدفعهم ومع بداية كل عام، إلى شرائها، وبأثمان باهظة.

تبث منافسات بطولة العالم للألعاب الإلكترونية بأكثر من 6 لغات


وكما هي الحال مع العالم الحقيقي لكرة القدم في السنوات الماضية، فالكلمة الأعلى هي لرأس المال. ما يعرفه الجميع، أنه في «الحقيقة» الفرق التي تمتلك مخزوناً كبيراً من السيولة، يمكنها شراء أفضل للاعبين. وما يحدث في «ألتيمت تيم» هو انعكاس لهذا العالم. فلا يمكن لأي شخص «عادي» على سبيل المثال، أن يصبح في فريقه لاعب مثل ليونيل ميسي نجم برشلونة، أو كريستيانو رونالدو. لماذا لا يتمكن جميع المستخدمين من شراء أفضل اللاعبين؟ سعر النجوم الكبار باهظ الثمن، حتى ولو بالـ«كوينز». اللعِب والفوز في الفيديو، لا يكفي لتحصيل كمية كافية من «الكوينز». وعلى المشترِك أن يدفع من «خارج اللعبة». على سبيل المثال، لو أردنا احتساب كم يساوي سعر كريستيانو رونالدو في اللعبة، بالدولار الأميركي، فلن ينخفض سعره عن الـ500$ (وهو مبلغ يعادل نحو 2 مليون «كوينز» داخل اللعبة). الأمر خلق نوعاً من الطبقيّة داخل اللعبة، فليس من العدل مثلاً، أن من يملك أموالاً أكثر، يستطيع تجربة اللاعبين الأفضل، وهذا ما يوسّع الفجوة بين مستخدمي هذه اللعبة ويؤدي إلى وجود طبقات بين المستخدمين. فلا يمكن لفريق فيه نجوم العالم، منافسة فريق عادي المستوى، ولا وجود للاعب «سوبر» فيه، ومن حالفه الحظ وقام بتجربة اللعبة، يعلم كم أن المهمّة ستكون صعبة بالنسبة لصاحب الفريق الأضعف. شركة «EA» لا تعمل لوجه الله، وكغيرها من الشركات الكبيرة التي تهدف إلى الربح في المقام الأوّل. اتّبعت تقنية الـ«FIFA POINTS»، والتي يشتريها المستخدم، ليشتري من خلالها لاعبين ذوي قيمة عالية جداً. وهنا تبلغ الرأسمالية طوراً متقدماً، بحيث أن اللعبة بحد ذاتها لا تعود كافية كلعبة، ولا تعود المعايير بين المستخدمين موحدة. بمعنى أن الفوز ليس ممكناً إلا بدفع المزيد وشراء المزيد. وهكذا تطور الرأسمالية نفسها بنفسها داخل اللعبة كما في خارجها.
هكذا، خرجت لعبة «FIFA» عن مجرى العالم الافتراضي، وأصبحت لها نوافذ إضافية «للنهب». في النهاية، تبقى اللعبة لعبة، ولا أحد ملزماً بلعبها. وهي تبقى من أكثر ألعاب الفيديو رواجاً، وتتصدّر قائمة أكثر الألعاب مبيعاً في العالم، نظراً إلى الانتشار الكبير لمحبي كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم.



أفضل «افتراضي» سعودي: نصف مليون دولار للبطل


يعرف متابعو اللعبة السعودي مساعد الدوسري جيداً. فهو اللاعب الذي تمكّن من الفوز بجائزة أفضل «لاعب فيفا» في العالم لسنتين متتاليتن (2017 و2018). وهذا الفوز، والجهد الكبير الذي بذله مساعد في مشواره الكبير في بطولة الفيفا العالمية، لن يذهب سدى، فقد تقاضى الدوسري مبلغاً بقيمة 500 ألف دولار بسبب فوزه بهذه الجائزة (250 ألف لكل سنة فاز فيها). ويعتبر الدوسري أول لاعب في تاريخ اللعبة، يصبح بطلاً للعالم مرتين في موسم واحد، كما نال «جائزة أفضل لاعب في العالم للرياضات الإلكترونية» لعام 2018 في العاصمة البريطانية لندن، وبطل آسيا وأفريقيا FIFA17. وعلى سيرة الدوسري، يمكن الجزم، بأن أفضل لاعبي «الفيفا» في العالم العربي، هم من السعودية. فالبطل السابق كان خالد العوفي، وقبله كان عبد العزيز الشهري، وغيرهم الكثير الذين سيطرو على العالم العربي، والعالم ككل في السنوات الماضية. ولكن هنا يأتي السؤال من جديد، لماذا السعوديون هم الأقوى؟ حسب لاعبين «افتراضيين» آخرين، من دول أخرى، فإن السعوديين يملكون المال الكافي والوافر لشراء فرق «قوية»، وتطوير أدائهم عبر شراء لاعبين أقوى. ولكن للإنصاف، يجب الإشارة إلى أن السعوديين موهوبون باللعبة ويسيطرون عليها. ربّما بسبب عدد ساعات اللعب اليومية وغيرها من العوامل. واذا ارتاد المتابعون لمشاهدة القنوات الناقلة والتي تبث أبرز الأحداث والتطورات التي تخص اللعبة، سيلاحظون وجود قنوات عربية وسعودية تحديداً كثيرة على «YOUTUBE» نظراً للشغف الذي يكنّه السعوديون لهذه اللعبة.


بطل جديد من أصول لبنانية


خلال منافسات هذا العام 2019، توج السعودي مساعد الدوسري بطلًا لـXBOX ضمن منافسات كأس العالم الإلكترونية Fifa eWorld Cup 2019، بعد تغلبه على الفرنسي رافسو (4-3) بمجموع المباراتين، ليحتفظ بلقبه للعام الثاني على التوالي، وفي المقابل خسر الدوسري نهائي Fifa eWorld Cup 2019 (بطل الـXBOX والـPlaystation) بداية الشهر الحالي أمام الألماني صاحب الأصول اللبنانية محمد حرقوص (3-2) بمجموع المباراتين، ليفقد بذلك فرصة المحافظة على لقبه العام الذي حققه في العام الماضي.
وحقق حرقوص، وتعود أصوله إلى بلدة السكسكية الجنوبية، لقب كأس العالم لكرة القدم الإلكترونية بعدما فاز على الدوسري حامل اللقب في النهائي وحصد جائزة قدرها 250 ألف دولار. ويعتبر حرقوص أحد أكثر لاعبي كرة القدم الإلكترونية خبرة، كما أنه لاعب محترف في صفوف نادي فيردر بريمن لكرة القدم الإلكترونية. وبات حرقوص أول ألماني ينال اللقب منذ انطلاق المسابقة في 2004. واللافت في الأمر أن بعض أندية كرة القدم الأوروبية، باتت تنشئ أندية لكرة القدم الإلكترونية، وتقوم بتدريبات بدنية وذهنية للاعبين، كما يتدربون لساعات طويلة في مباريات ودية على الألعاب الإلكترونية بين بعضهم البعض.
ويتابع هذه المنافسات مئات الملايين حول العالم عبر القنوات التلفزيونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، كما يتم بث المنافسات في بطولة العالم بأكثر من 6 لغات، وهذا يعطي مؤشراً على حجم انتشار اللعبة، وحجم المتابعين والمهتمين بها.