خلف انتصاراتهم ونجاحهم داخل الملاعب، هناك العديد من القصص التي لا يعلم عنها الجمهور شيئاً. من القلق إلى الاكتئاب، وصولاً إلى أفكار الانتحار، يعاني جزء كبير من نجوم الكرة مشاكل تتعلق بصحتهم النفسية، يختارون غالباً عدم مشاركتها مع العامة. في الوقت الذي يحسد فيه هؤلاء على نجوميتهم وحياة الشهرة والرفاهية التي يعيشونها، إلا أنّ كثيراً منهم يواجهون صراعات داخلية تنجم بشكل أساسي عن ضغوط اللعبة والسعي الدائم لتقديم الأفضل. يصادف اليوم «اليوم العالمي للصحة النفسية»، وفيه لا بد من الإضاءة على المعاناة النفسية الكبيرة التي يعيشها لاعبو كرة القدم في الظل.

خسارة لقب، هدف بنيران صديقة، أو حتى مجرد فرصة ضائعة للتسجيل قد تشكل منعطفاً حاداً في مسيرة أي لاعب. حين تكون جميع الأنظار متجهة نحو لاعب ما، ويقدم على ارتكاب خطأ في مباراة حساسة، فإنّ ذلك يضعه تحت ضغط نفسي كبير يضطر إلى التعايش مع مرارته لفترة طويلة. الحضور الذهني والنفسي الدائم بالنسبة الى اللاعبين هو أمر أساسي، فالاحتراف يستلزم منهم متطلبات نفسية أصعب بكثير من الإنسان العادي، الأمر الذي يعرض حالتهم النفسية للخطر طيلة الوقت. وهذا الضغط يشمل: الأيام العادية للتدريبات، مدى مساهمة اللاعب في الفريق وتوافقه مع أهداف النادي، إلى جانب التعامل مع الجمهور ومع وسائل الإعلام. ويمكن للاعب بسهولة الانزلاق إلى فخ القلق والشك في حال التعرض للفشل، ولا سيما بسبب حملات الاستهزاء والسخرية التي يتعرض لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان. وقد أشار لاعب باريس سان جرمان الأرجنتيني أنخيل دي ماريا إلى أنه لجأ إلى طبيب نفسي بعد خسارة منتخب بلاده أمام ألمانيا في نهائي كأس العالم 2014، ليس بسبب ثقل الخسارة وإنما بسبب السخرية التي تلقاها عبر الـ«سوشال ميديا».
في هذا السياق، أفادت دراسة أجراها الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين (فيفبرو) عام 2013 أن واحداً من كل ثلاثة لاعبين يعاني من الاكتئاب أو القلق. الدراسة التي نشرت عام ‭‭‭‭2015‬‬‬‬ فحصت ‭826‬ حالة من 5 دول مختلفة وخرجت بنتيجة مفادها أن نسبة الذين يعانون من أمراض نفسية وصلت إلى 38%، فيما تبلغ نسبة المعتزلين الذين يعانون من المرض النفسي 35%. الأرقام ليست عادية، ولا سيما أنّ أغلب تلك الحالات تكون غير معلنة أو غير مكتشفة، كما أنها تشير إلى أنّ الاكتئاب هو أكثر شيوعاً بين لاعبي كرة القدم المحترفين من عامة الناس. إلى جانب ذلك، فقد ذكرت مجلة «فور فور تو» البريطانية أنّ 78% من اللاعبين المحترفين في إنكلترا وإسكتلندا مرّوا بفترات اكتئاب ليس فقط بسبب النتائج السلبية أو الهجوم من الجماهير ووسائل الإعلام، وإنما بسبب التعرض للعنصرية.

تقوم مواقع التواصل الاجتماعي بدور بارز في زيادة الضغط النفسي على اللاعبين


إلا أنّ الخطير في الأمر أنّ المسألة لا تقتصر على مجرد بعض مشاعر الثقل والإحباط العابرة، بل إنّ الأمور قد تتعقد بشكل بالغ وتصل بالبعض إلى إنهاء حياتهم. وقد عرف عالم كرة القدم انتحار عدة لاعبين، أمثال: حارس مرمى هانوفر الألماني ومنتخب ألمانيا السابق روبرت إنكه بعمر الـ 32 عاماً، بعدما قفز أمام تقاطع أحد القطارات في مدينة هانوفر، جراء معاناته مع مرض الاكتئاب لسنوات بعد وفاة ابنته الصغيرة. كما أقدم مدرب منتخب ويلز السابق غاري سبيد على شنق نفسه في منزله أواخر عام 2011 بعد معاناته مع الاكتئاب أيضاً، رغم النجاحات التي كان يحققها مع المنتخب آنذاك. وفي هذا الصدد، أكد كلارك كارلايل، رئيس رابطة اللاعبين المحترفين في إنكلترا، وجود مئات اللاعبين تحت وطأة الاكتئاب في إنكلترا وحدها، مستعرضاً تجربته الشخصية بعدما حاول الانتحار كذلك بسبب الاكتئاب في وقت سابق خلال مسيرته.
وصول اللاعب إلى هذه الحالة ينجم عن عوامل مختلفة، تتراوح بين أسباب بيولوجية أو نفسية، تعرّضه لإصابة، صدمة عاطفية، التقدم بالعمر وحتى الاعتزال. قد يجد اللاعب نفسه أمام منعطفات حادة خلال مسيرته، تسبب له الصدمة أو الغضب أو حتى مجرد الشعور بالضجر قد يصل به إلى مراحل متقدمة من التشتت الذهني. توليفة بسيطة من المشاعر المحبطة مع القليل من انعدام الثقة بالنفس وخليط من التساؤلات الوجودية كافية كي تدفع به إلى الحضيض النفسي. ومن هنا تبرز أهمية الإعداد النفسي للاعب وضرورة وجود أطباء مختصين داخل الأندية من أجل متابعة الصحة النفسية الخاصة باللاعبين، والتي توازي أهمية الإعداد البدني على مستوى النتائج.

ضحايا الاكتئاب: جيجي بوفون
اضطرّ الأسطورة الايطالي جيانلويجي بوفون الى اللجوء للعلاج النفسي في الفترة بين عامي 2003 و2004 بسبب الضغوط التي كان يعيشها في تلك الفترة. ووصف بوفون تلك المرحلة بالفترة السوداء في حياته، مشيراً إلى أنه «لم أكن راضياً عن حياتي كلاعب كرة قدم، عانيت من ارتجاف في قدماي خلال المباريات خوفاً من ارتكاب الأخطاء والخسارة بسبب هذه الأخطاء». ورأى بوفون أنّ «هناك عدة أسباب لهذا الاكتئاب، رغم كونك مشهوراً وغنياً، عدم الفوز بمسابقة دوري أبطال أوروبا، عدم تقدير ما تملك ومساورتك الشكوك. الجماهير لا تكترث لحالتك النفسية، أنت لاعب كرة، المثل الأعلى، ولا أحد يسألك عن حالك وإذا ما كنت على ما يرام، تصبح في النهاية عبداً في خدمة صورتك».

أدريانو
بعد وفاة والده، عانى النجم البرازيلي أدريانو من اكتئابٍ حاد دفعه إلى التفكير بالانتحار بحسب ما كشفت والدته. أدريانو فاجأ الجميع بتركه إنتر ميلانو الإيطالي في إحدى فترات مسيرته والعودة إلى بلاده لأنه كان يعاني من الاكتئاب. ولفتت والدته دونا روزيلدا لصحيفة «غازيتا ديلو سبورت» الإيطالية عن الفترة التي عاشها أدريانو، معتبرةً «أن مصدر اكتئابه كان دوماً موت والده الذي لم يتعاف منه أبداً. وبسبب نجاحه الكبير، انتقده الكثير من الأشخاص من دون معرفة ما كان يحصل معه فعلاً، ما دفعه إلى الحضيض».

كارلوس تيفيز
بعد فشل الأرجنتين في الفوز بلقب بطولة كوبا أميركا في تموز/ يوليو 2011 وإهداره ركلة ترجيح، دخل المهاجم الأرجنتيني كارلوس تيفيز في حالة حزن عميقة، اعترف بعدها بأنه يعاني من الاكتئاب الذي ساهم في زيادة وزنه بنحو ستة كيلوغرامات. وقال تيفيز حينها: «عندما أهدرت ضربة الترجيح، شعرت بأن العالم كله انقلب رأساً على عقب. سيطر عليّ الاكتئاب بعد الخروج المبكر للفريق وزاد وزني». كما أشار إلى أنه شعر بالحزن لأنه لم يدخل السعادة إلى قلوب المشجعين، وكذلك للانتقادات العنيفة واللاذعة والمهينة التي تعرض لها والتي تأثرت بها عائلته بعد إهداره ضربة الترجيح تلك، لافتاً إلى أنّ هذا الخطأ أطاح المدرب باتيستا.

داني روز
تكلم لاعب المنتخب الإنكليزي ونادي توتنهام العام الماضي عن تجربته مع الاكتئاب، خلال موسم 2017-2018 بسبب تعرضه للإصابة وبعض المشاكل العائلية. ولفت روز إلى أنّه مرّ بأوقات صعبة بعد تعرضه لإصابة خطيرة في الركبة مطلع عام 2017 اضطرته إلى اللجوء إلى طبيب نفسي، في الوقت الذي أخفى فيه هذا الأمر عن والديه. وأضاف روز: «أحد أقاربي انتحر أثناء فترة التعافي، وهو ما ساهم في زيادة الاكتئاب. والدتي تعرضت لمشاكل عنصرية في دونكاستر في آب/ أغسطس، ثم حاول أحد الأشخاص قتل شقيقي». وساعدت مشاركة روز مع المنتخب في كأس العالم الماضية على التغلب على مشاكله، قائلاً: «إنكلترا كانت بمثابة الإنقاذ، ولا يمكن أن أشكر المدرب والطاقم الطبي بالقدر الكافي».