لا تشرع المملكة العربية السعودية في الإتيان على أيّ خطوة أو مشروع من دون أن يكون خلفه محاولات لتبييض صورة العائلة الحاكمة ونظامها الجائر. بعد جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وعلى أعقاب الفظائع التي ترتكبها المملكة بحق الشعب اليمني، كان لا بدّ من استراتيجية جديدة لغسل سمعتها وصرف الانتباه عن الانتهاكات التي ترتكبها، فلم تجد أمامها سوى الرياضة سبيلاً لذلك. كثّفت السعودية استثماراتها الرياضية بشكل بالغ في السنوات الأخيرة، وجديدها استضافة مسابقة كأس السوبر الإسبانية في كرة القدم للأعوام الثلاثة المقبلة.

في خطوةٍ غير مفاجئة، أعلن الاتحاد الإسباني لكرة القدم وهيئة الرياضة في السعودية، قرار إقامة السوبر الإسباني في السعودية، وذلك على هامش سحب قرعة المسابقة التي ستقام للمرة الأولى بنظام «دور الأربعة». السعودية التي تعمل بكلّ الوسائل المتاحة أمامها لمسح البقع السوداء عن صورتها الملطّخة بالدماء، أجرت اتفاقاً مع الاتحاد الإسباني لكرة القدم يمتدّ لثلاثة أعوام قابلة للتجديد للفترة ذاتها بحال موافقة الطرفين، كي تستضيف مباريات البطولة الإسبانية.

وبموجب الاتفاق، ستقام النسخة الأولى من الصيغة الجديدة للبطولة بين الثامن من كانون الثاني/يناير المقبل و12 منه، على ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة. أندية ريال مدريد، برشلونة، أتليتيكو مدريد وفالنسيا ستتواجه في مباراتين منفصلتين، قبل أن يشهد ملعب الملك على تتويج بطل جديد لإسبانيا. من جهته، أكّد الاتحاد الإسباني أنّ كأس السوبر الإسبانية ستقام خلال فصل الشتاء بناءً لطلب الأندية واللاعبين، بهدف التخفيف من ضغط المسابقات، إذ ستتزامن فترة إقامة الكأس مع فترة التوقف الشتوية للبطولات الأوروبية.

ويأتي هذا الاتفاق ليقف في وجه البيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) برئاسة ألكسندر تشيفرين، والذي طلب فيه من الاتحادات التابعة له عدم اللعب في البلدان التي لا تحترم حقوق المرأة وتمنعها من الوصول إلى مدرجات ملاعب كرة القدم بشكل كامل، أي إيران والسعودية. إلا أنّ الاتحاد الإسباني لكرة القدم أشار إلى أنّ بموجب اتفاقه مع الاتحاد السعودي، سيُسمح للنساء بالدخول إلى الاستاد في جدة من دون قيود على الملابس التي يرتدينها أو على اختيار مقاعدهنّ، لا سيما أنّ مباراة كأس السوبر الإيطالية التي استضافتها السعودية الموسم الماضي أثارت جدلاً كبيراً في إيطاليا على خلفية القيود التي تفرضها السعودية للاختلاط بين الجنسين، وخاصة لجهة منع النساء من الجلوس بمفردهنّ أو في المدرجات نفسها مع الرجال.

ستقام المسابقة بنظام دور نصف نهائي ومباراة نهائية للمرة الأولى()


والأمر لا يقتصر على ذلك، إذ أعلن الجانب الإسباني أنّ السعودية تعتزم أيضاً إطلاق بطولة كرة قدم نسائية جديدة خاصة بها. هو أمرٌ مستحدث لم تشهده البلاد من قبل، ولكنه ليس بصادم إذا تم الأخذ في الاعتبار التغيير الكبير الذي عرفته سياسات المملكة في الفترة الأخيرة والاستدارة الواسعة عن القيود الاجتماعية التي فُرضت فيها لسنوات طويلة. المفارقة أنّ السعودية التي منعت حتى عام 2017 النساء من حضور مباريات كرة القدم في البلاد، تسعى الآن كي تقيم لهنّ بطولة كرة قدم. لكن هل سيُسمح للرجال بالدخول إلى الملاعب لمشاهدة مباريات السيدات أيضاً؟ لا أحد يعلم.

إلا أنّ استضافة بطولة السوبر ليس أولى محاولات السعودية في استثمار القطاع الرياضي لإعادة تقديم نفسها بصورة الدولة المتحضرة والمنفتحة، إذ لجأت المملكة إلى استضافة نزالات عالمية في الملاكمة، والفورمولا الكهربائية «فورمولا إي» وبطولة العالم للفورمولا 1 للزوارق السريعة، على أن تستضيف أيضاً بدءاً من مطلع العام المقبل، سباق «رالي دكار» الصحراوي الذي يعدّ الأبرز عالمياً في هذه الفئة. هكذا، أضحت الفعاليات الرياضية أداةً دبلوماسية معتمدة من قِبل المملكة لخفض أصابع الاتّهام المرفوعة نحوها. لكن ربما السعودية لا تدرك جيداً أنّ استراتيجيات الضغط والبروباغاندا التي تقوم بها عبر الرياضة لغسل سمعتها المصبوغة بصرخات 14 مليون يمني جائع، لا دعاية تشفع في تسويقها، ولا حملات إعلامية تنفع في مسحها من الأذهان.