مرةً جديدة، يغيب اسم ماريو بالوتيلي عن تشكيلة المنتخب الإيطالي.


كتيبة المدرب روبرتو مانشيني، التي تخوض مباراتيها الأخيرتين ضمن تصفيات كأس أوروبا 2020، ستلعب اليوم دون المهاجم المشاكس، ليستمرّ غيابه لنحو عام عن «الآتزوري»، بعدما قرر مانشيني ألا يستدعيه رغم دعوات مسؤولين كرويين إيطاليين إلى ضمّه للفريق لتوجيه رسالة ضد العنصرية.

بالوتيلي، الذي كان يُنظر إليه كأحد أفضل المهاجمين رقم 9 في العالم، شكّل خيبة أمل على الصعيد الكروي، مع اتّسام سلوكه بالتهوّر والشغب داخل الملاعب وخارجه.

خلال مؤتمرٍ صحافي أعلن خلاله استعداد المنتخب الإيطالي لخوض مباراة اليوم ضد البوسنة والهرسك، أكّد روبرتو مانشيني أنّ استدعاء ماريو بالوتيلي مهاجم بريشيا إلى تشكيلة المنتخب سيأتي بناءً على استحقاقه لهذا الاستدعاء، وليس لتوجيه رسالة ضد العنصرية التي عانى منها اللاعب.
وقال مانشيني: «عندما سأستدعي ماريو بالوتيلي سيكون لأنه يستحق ذلك، وليس بسبب لون البشرة. أعرف ماريو وأحبه. تذكّروا، أشرفت على ماريو عندما كان شاباً، لذا أعرفه تمام المعرفة».

يبدو مانشيني غير مقتنعٍ بأداء بالوتيلي في الآونة الأخيرة، رغم أنه كان أحد الأشخاص الذين آمنوا بموهبة الايطالي البالغ 29 عاماً.

علاقة مانشيني ببالوتيلي
المدرب الإيطالي أشرف على بالوتيلي خلال فترته مع إنتر ومانشستر سيتي، وتمسّك به رغم مشاغباته واستهتاره، لأنه رأى فيه لاعباً موهوباً وواعداً. ومانشيني ليس الوحيد الذي كان ينظر بهذه العين إلى بالوتيلي، إذ اعتبر النجم الإيطالي أندريا بيرلو أنه «لا يجدر أن يكون مجرّد شخص يصنع العناوين الكبرى لوسائل الإعلام. لقد لعبت إلى جانب عدد من أفضل المهاجمين ويمكن أن أؤكد لكم أن ماريو يمتلك المؤهلات ليكون أحد أفضل الهدافين في العالم».

إذا كان بالوتيلي يملك هذا القدر من الموهبة، فلمَ يهدرها عبر سلوكياته الصبيانية؟ الإجابة عن هذا السؤال يحتاج العودة إلى ماضي اللاعب، وإلى طفولته تحديداً. وُلد بالوتيللي في باليرمو لمهاجرَين من غانا. إلا أنه بعمر الثالثة، عرضه أهله للتبني بسبب عدم قدرتهما على تحمل تكاليف رعايته الصحية، لمعاناته من مرض في أمعائه. هكذا انتقل ماريو الصغير إلى كنف عائلة بالوتيلي الإيطالية التي حمل اسمها، مما ولّد لديه لاحقاً كرهاً لوالديه البيولوجيين لتخلّيهما عنه. كان بالوتيلي الصغير يجبر والدته بالتبني على أن تمسك يده في السرير حتى يغفو بسبب شعوره بالخوف. كان ولداً تائهاً يعيش تخبطاً بين عائلتيه. أولى تخلّت عنه، وثانية غريبة عليه.

تعرّضه للعنصرية طبع أثراً كبيراً داخل شخصيته()

إلا أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك، إذ كان الأطفال يرفضون اللعب معه بسبب اختلاف لون بشرته عنهم، كما كان يعامل بقسوة في مدرسته لأنه كان أسمر البشرة. نشأ بالوتيلي وهو يشعر بالوحدة والاختلاف عن غيره. لكن معاناته لم تقف هنا، إذ لحقته الهتافات العنصرية خلال فترة احترافه للكرة مع اختلاف الأندية التي لعب فيها. لا شكّ أنّ هذا الأمر طبع أثراً كبيراً داخل شخصية اللاعب الشاب، وزرع التمرّد واللامبالاة داخله، مما انعكس على سلوكه وأدائه في المباريات، وحتى خارج المستطيل الأخضر.

وفي أحدث فصول مسلسل العنصرية والإساءات التي يتعرّض لها «سوبر ماريو»، وصفه جمهور فريقه بريشيا بالـ«متكبر»، بعدما هدّد بالخروج من الميدان وركل الكرة بقوة تجاه المدرجات اعتراضاً على الهتافات العنصرية التي وجهت له من جماهير هيلاس فيرونا خلال مواجهة الفريقين. الغريب في الأمر أنّه في الوقت الذي كان من المفترض من جمهوره أن يدعمه، إلا أنّ الجمهور صرّح في بيان له أنّه «إذا لم يكن بالوتيلي مستعداً لتحمل جماهير فيرونا، وضغط الجماهير والمدرب، إذاً يمكننا البحث عن لاعب آخر يحلّ محله ويكون مستعداً لذلك»!

يعتبر بالوتيلي أنّ مسيرته كانت ستختلف لو كان ذا بشرة بيضاء رغم اعترافه بأنّ العديد من مشاكله كانت من صنعه، لكن في الوقت نفسه أكّد أن لون بشرته السمراء لعب دوراً كبيراً في أزماته.
فيقول بالوتيلي: «ربما تسببت في بعض المشاكل الخاصة بي، وتصرفت بشكل خاطئ في بعض الأحيان، ولكن هل كانوا سيغفرون لي بشكل أسرع؟ بكل تأكيد نعم».

اللاعب الذي افترس بمفرده الألمان في نصف نهائي كأس أوروبا عام 2012 ووقف وقفته الشهيرة عارضاً عضلاته في لقطةٍ جابت العالم، خفت نجمه وبات يعيش في الظلّ.

نشأته الصعبة والإساءات القاسية التي لا تنفكّ تتوالى بحقه، ألقت بثقلها عليه، إلى جانب تراخيه طبعاً في صون موهبته. فهل ينقذ بالوتيلي مسيرته بشيءٍ يُذكر؟