كبر توتنهام بين سنة وأخرى. النادي الذي طالما انحصرت أهدافه في بلوغ مقعد مؤهل إلى دوري الأبطال على أبعد تقدير، يسعى اليوم لتحقيق الألقاب، وقّعت إدارة السبيرز مع جوزيه مورينيو لقيادة المشروع الجديد للنادي بعد إقالة ماوريسيو بوكيتينو. رغم ذلك، تبقى هذه الصفقة رابحة لجميع الأطراف، بأهدافٍ مختلفة. توتنهام لفرض نفسه بين كبار الدوري والبناء على نجاح الموسم الأوروبي الماضي، ومورينيو للعودة إلى مركزه الطبيعي بين كبار المدربين.

في الموسم الماضي، وصل توتنهام تحت قيادة المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، كما احتل المركز الرابع في الدوري الإنكليزي الممتاز من دون إبرامه أي صفقة في سوق الانتقالات. كمكافأةٍ على ما أنجزه الفريق، صرفت الإدارة مبلغ 103 ملايين يورو في سوق الانتقالات الصيفي، جاء على إثرها متوسط الميدان الفرنسي تانغي ندومبيلي من ليون الفرنسي، إضافةً إلى جناح نادي فولهام ريان سيسينيون ومتوسط ميدان ريال بيتيس جيوفاني لوسيلسو. مع حصول الفريق على أفضل سوق انتقالات له منذ مطلع الألفية، ارتفعت التطلعات وباتت الألقاب مطلباً رئيسياً لتقييم نجاح الموسم من عدمه، غير أنّ ما حصل جاء عكس المتوقع.
هو الموسم الأول الذي يدخله بوكيتينو وسط ضغطٍ إداري وإعلامي. المدرب الذي طالما اعتبر ضمن الأفضل حول العالم في عملية بناء الفرق بأقل الإمكانيات المتوافرة، سقط في دوامة ضغوطات الألقاب ليقال بعد مرور 12 جولة فقط على انطلاق البريميرليغ. لم يدخل توتنهام الدوري بقوة هذا الموسم كما كانت الحال في سابق مواسم توتنهام ـ بوكيتينو. الفريق الذي اعتاد الوجود بين الأربعة الكبار في المواسم القليلة الماضية، يحتل اليوم المركز الرابع عشر، محقّقاً 3 انتصارات فقط مقابل 5 تعادلات وأربع هزائم. خلل واضح في المنظومة نتج عن عدم تأقلم الصفقات الجديدة، إضافةً إلى تراجع مستوى العديد من لاعبي الفريق، على رأسهم صانع الألعاب الدنماركي كريستيان إيريكسن. أما النتيجة، فكانت إقالة ماوريسيو بوكيتينو لتفادي الوضع الكارثي، رغم كونه السبب الرئيسي في بناء مجد توتنهام المحلي الحديث ووضعه على الخارطة الأوروبية. مقابل ذلك، قامت الإدارة بتعيين البرتغالي جوزيه مورينيو على رأس العارضة الفنية للفريق، معوّلةً على ألقابه الـ25 التي يتفوق من خلالها على ألقاب الفريق اللندني تاريخياً (24)، وآملة تحقيق ما عجز عنه المدرب الأرجنتيني الذي غادر لندن من دون تحقيق أي لقبٍ يذكر.
في السنوات الأخيرة، تأرجح مورينيو، وكتبت عنه الصحافة كثيراً، بسبب كثرة مشاكله الفنية والشخصية مع اللاعبين والإعلام، ليسقط من قائمة أفضل مدربي العالم ويتحول إلى عبء حقيقي على أيّ ناد يشرف عليه. بعد نهاية تجاربه التدريبية الحافلة بالألقاب برفقة بورتو، وتشيلسي، وإنتر ميلانو وريال مدريد، أصبح معدل استمرار مورينيو في أي نادٍ يدربه يراوح بين موسمين إلى موسمين ونصف موسم كحد أقصى. ظهر ذلك جلياً في حقبتيه الأخيرتين مع تشيلسي ومانشستر يونايتد، بعد أن قام بخلق معسكرين في غرفة الملابس: منهم من أيّده ومنهم من عارض أسلوبه الدفاعي، أما النتيجة، فكانت طرده في الحالتين. الـ«بلبلة» التي يخلقها «مو» أينما ذهب، أنزلت من أسهمه كثيراً في بورصة كبار المدربين، حتى «نفر» منه العديد من الأندية الكبيرة، مفضلةً الاستقرار الفني والإداري على حساب الألقاب. حتى الألقاب باتت عصية على المدرب البرتغالي أخيراً، إذ احتل مراكز متدنية في حقبته الثانية برفقة تشيلسي وبعدها مع مانشستر يونايتد.
غاب مورينيو عن عالم التدريب قرابة عام بعد إقالته من مانشستر، شغل خلالها منصب المحلل الرياضي في قناتي «بي إن سبورتس» و«سكاي سبورتس». خلال هذا العام، أقال العديد من أندية النخبة مدربيه، كان على رأسها يوفنتوس، وبايرن ميونخ وتشيلسي، غير أنها لم تقدّم أي عرض لضمّ مورينيو لاعتباراتٍ عديدة.

وصف مورينيو نادي توتنهام سابقاً بأنه نادٍ من الفئة المتوسطة


مع تطور كرة القدم واعتماد الأندية أسلوباً هجومياً معاصراً لجذب أكبر فئة ممكنة من المتابعين، خرج مورينيو بأسلوبه العدائي وثقافته الدفاعية التقليدية من دائرة اهتمامات الأندية الكبرى. الأولوية باتت للعائدات المالية، والضحية دائماً المدربون. ولكن من خارج التوقعات وصل مورينيو إلى نادي شمال لندن، هي «مقامرة» للندنيين، ولكن في الوقت ذاته يرى فيها البعض نقطة إيجابية للبناء للمرحلة المقبلة. مورينيو عاد إلى التدريب وهو يريد تلميع صورته بعد الخيبات الكثيرة أخيراً، وتوتنهام يريد التأسيس من جديد.
النادي اللندني بدأ يتصرف في الموسمين الأخيرين على أنه «فريق كبير». المشروع واضح جداً، وهو فرض توتنهام كأحد الأندية البارزة على الصعيدين المحلي والأوروبي. لتغيير الصورة النمطية السائدة عن السبيرز في الوسط الكروي، كان لا بد من تغيير العديد من الأمور داخل النادي. بدأ الأمر بإعادة تشييد ملعب الفريق لتصل سعته إلى 62 ألف متفرج. المنفعة العائدة من الملعب الجديد انحصرت بالشق المادي، أما الحجر الأساس لبناء المجد، فيتمثل بالألقاب. هنا، يأتي دور مورينيو.
بعيداً عن الألقاب، تندرج أهمية الصفقة بالنسبة إلى توتنهام أيضاً تحت الإطار الاستثماري. اسم مورينيو وحده كفيل بإلقاء الضوء على النادي اللندني وتحقيق عائدات مالية ضخمة. إضافةً إلى ذلك، سيشكل مورينيو جسراً لاستقدام اللاعبين والمدربين الكبار في المستقبل، وخاصة أنه درّب فرقاً كبيرة سابقاً، أهمها ريال مدريد.
في السنوات الماضية، كان من الصعب على مورينيو تدريب توتنهام، بالنظر إلى الهوة الواسعة بين الطرفين. يدعم ذلك ما حصل عند إشرافه على تدريب تشيلسي عام 2005، حين صنّف مورينيو نادي توتنهام على أنه نادٍ من الفئة المتوسطة، مضيفاً أنه فريق لا يمتلك عقلية انتصارية. اليوم، وجد مورينيو في توتنهام الـ«محطة» الأنسب للعودة إلى عالم كرة القدم، فهل يغيّر البرتغالي من عقلية فريقه الجديد؟
من العوامل التي جعلت مورينيو يختار توتنهام، تخبّط الفريق الحالي الذي ترافق مع انخفاض التطلعات. بعيداً عن امتلاك توتنهام تشكيلة واعدة تتلاءم مع ثقافة مورينيو التدريبية، شكلت البداية السيّئة للفريق في الدوري محفزاً رئيسياً لاختيار المدرب البرتغالي، إذ إن أي مركز سيحققه هذا الموسم سيكون مقبولاً بنظر الإدارة والرأي العام.
26 جولة مقبلة سيسعى من خلالها مورينيو لتحقيق نجاح نسبي استعداداً لاستحقاقات الموسم المقبل. الفريق بعيد عن الضغوط الإدارية، وهو غير مطالب هذا الموسم، وهذا الأمر سيساعد مورينيو على التأسيس الصحيح. صفقة ناجحة للطرفين بأهدافٍ مختلفة، تواجه أول تحدياتها السبت المقبل، عندما يحل توتنهام ضيفاً على ويستهام (14:30 بتوقيت بيروت).



ثالث محطة إنكليزية
سيكون نادي توتنهام ثالث محطة تدريبية في إنكلترا للبرتغالي جوزيه مورينيو بعد تعيينه مدرباً لنادي شمال لندن خلفاً للأرجنتيني ماوريتسيو بوكيتينو المقال من منصبه الثلاثاء. وأشرف مورينيو سابقاً على تشيلسي ومانشستر يونايتد، حيث قاد الأول إلى إحراز اللقب المحلي ثلاث مرات، والثاني إلى إحراز كأس الرابطة المحلية والدوري الأوروبي (يوروبا ليغ). كما سبق له تدريب بورتو البرتغالي وقاده إلى إحراز دوري ابطال أوروبا، كما حقق ثلاثية تاريخية عام 2010 مع نادي إنتر ميلانو الإيطالي (الدوري والكأس المحليان ودوري ابطال اوروبا). وأشرف البرتغالي أيضاً على ريال مدريد الاسباني وقاده الى إحراز اللقب المحلي.
وكان مورينيو رفض عروضاً عديدة أتته أخيراً من الصين وإسبانيا والبرتغال في الأشهر الأخيرة.