محطّم الأرقام القياسية وحراس المرمى في ألمانيا والعالم على حدٍّ سواء ترك بايرن ميونيخ بعد ثماني أعوام من التألق معه. خروج لا شك في أنه يعتبر نهاية حقبة بالنسبة إلى بطل الدوري الألماني الذي سيكون من دون هدافه الأول طوال تلك المواسم، ليخلو من رأس حربةٍ حقيقي، وهي مسألة حاول الكثيرون التقليل من شأنها مستندين حتى إلى الانتصار الكبير بسداسية على أينتراخت فرانكفورت في انطلاق «البوندسليغا». لكن الواقع يقول بأن التقليد المتبع في بايرن يفضي إلى اعتماده دائماً على هدافٍ كبير في خط المقدمة وهو ما يترك عملاً شاقاً أمام المدرب يوليان ناغلسمان لتعويض فراغ رحيل «ليفا» عن فريقه.

الواقع أنه منذ وصول ليفاندوفسكي عام 2014 إلى بايرن اعتمد عليه المدربون المتعاقبون كمهاجمٍ محوري لا غنى عنه في المنظومة الهجومية التي استندت إليه فقط لا غير، حيث كان قلب انطلاق الهجمات من ملعب الخصم ومصدر الخطورة في الثلث الأخير من الملعب. هذه الفكرة التكتيكية جعلت من الصعب على الخصوم الدفاع على بايرن لأن «ليفا» شغل كل المدافعين بتحركاته بين الخطوط، متيحاً الفرص لنفسه ومفسحاً المجال لزملائه من أجل تسجيل الأهداف.
كل هذا جعل من هجوم البايرن خلاّقاً لا محدوداً، وخصوصاً أن ليفاندوفسكي تمتع بصفات تهديفية وأيضاً تقنيةٍ عالية صنعت الفارق دائماً في كل محاولة هجومية للفريق البافاري.
من هنا، لا ضير من القول بأن أحداً لا يستطيع ملء الفراع الذي خلّفه البولندي ولو أن النجم السنغالي ساديو مانيه يتمتع بقدراتٍ مختلفة تلتقي مع نظرة ناغلسمان إلى المقاربة التكتيكية الهجومية - الدفاعية.
هنا يمكن استعراض الدليل، إذ عندما عُيّن المدرب الشاب في منصب المدير الفني لأكبر فرق ألمانيا، لم يبدّل من دور «ليفا» على أرضية الميدان، لكنه رفع عدد المهاجمين في قلب منطقة الجزاء، وهو ما قلّص من المساحات المتاحة لهدافه في الشق الهجومي، وهو ما قد يكون أزعج الرقم 9 ودفعه إلى طلب الرحيل وخصوصاً بعدما سجّل عدداً أقل من الأهداف مقارنةً بمواسمه السابقة.

أحد أسباب طلب «ليفا» الرحيل هي المقاربة التكتيكية للمدرب ناغلسمان


ربما لم يقصدها ناغلسمان، فهو أراد وصول عددٍ كبيرٍ من لاعبيه إلى المنطقة المحرّمة بهدف خلق كمٍّ أكبر من الفرص، وذلك من دون الاكتراث إلى رغبة ليفاندوفسكي بأولوية الاستفادة من أي كرة عرضية أو تمريرة بينية أو كرةٍ مرتدة إليه.
وبأسلوبه هذا الذي أصرّ عليه، يمكن القول بأن بايرن كان يعلم ومدربه كان يرغب ببدء الاعتماد على مقاربةٍ جديدة تؤمّن له المردود نفسه إذا صحّ التعبير.
لكن ناغلسمان قد يكون مخطئاً إذا لم يجد قريباً لاعباً بقدرات ليفاندوفسكي، إذ إن الأخير مثّل خط الضغط الأول، وأجبر الخصوم على تحويل اللعب نحو خطي الملعب حيث يمكن خنق محاولاتهم من قبل لاعبي الطرفين الذين يتمتعون بالسرعة والقدرات الدفاعية الفائقة. وهنا أزعج ناغلسمان مجدداً نجمه، إذ أجبره على الضغط عند احد طرفي الملعب، فلم يستطع بالتالي الاستفادة سريعاً من الكرات التي يستعيدها فريقه بحكم وجوده في مركزٍ سيئ في الهجمات المرتدة.
ومع وصول مانيه يكون بايرن قد دخل في المرحلة التي يراها ناغلسمان الأنسب، فهو يبدو وكأنه يهوى لاعبين مثل السنغالي وسيرج غنابري اللذين يحبان لعب الدور المذكور من دون أي مشاكل، فهما أقوياء بدنياً وذوي لياقة بدنية عالية ويحبان التنقل بين الطرف وعمق المنطقة.
هذه المسألة ظهرت جليّاً في المباراة أمام لايبزغ في الكأس السوبر الألمانية حيث أعطاهما المدرب حرية هجومية مستفيداً من دعم توماس مولر وجمال موسيالا لهما في العمق، ما خلق مرونةً أكثر في اللعب على الجناحين وأيضاً من خلال الاختراق السريع الذي يحرّر غالباً احد المهاجمين ليكون بمواجهة حارس المرمى فتكون بالتالي عملية التسجيل سهلةً جداً تماماً كما حصل في مواجهة فرانكفورت.
من هنا، يقال إن البايرن لن يواجه متاعب هجومية، وخصوصاً أن سرعة ليروي سانيه والفرنسي كينغسلي كومان يمكن أن تضيف عنصر المفاجأة أكثر في الجانب الهجومي. لكن الصورة العامة تبدو غريبةً جداً على الجماهير البافارية التي اعتادت على رؤية لاعبٍ محوري في التشكيلة الأساسية، وقد كان هذا التقليد في صلب نجاحات الفريق عبر الأعوام القريبة الماضية، إذ لا يمكن أن ينسى أحد التأثير الإيجابي في العصر الحديث لأمثال البرازيلي جيوفاني إلبر، أو الإيطالي لوكا طوني، والهولندي روي ماكاي، ولا حتى الكرواتي ماريو ماندزوكيتش.