على الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض، تقبع منذ عام عريضة «العفو عن ادوارد سنودن» منشورة «باسم الشعب». وقّع عليها أكثر من ١٠٠ ألف مواطن أميركي خلال أسبوعين، ممن يريدون عفواً شاملاً عن المسرّب «البطل القومي». من باب احترام العمل الديموقراطي في الولايات المتحدة، يردّ البيت الأبيض عادةً على العرائض التي تجمع هذا العدد من التواقيع خلال فترة زمنية قصيرة، لكن حتى الآن لم يجب على عريضة العفو تلك من دون أي تبرير للتأخر في ذلك.

وفيما بدأ عام ٢٠١٤ بدعوات صحافية صريحة من أبرز المؤسسات الإعلامية الأميركية إلى خفض العقوبات على سنودن ومنحه حق العودة إلى دياره باعتباره «مسرّباً» وليس «جاسوساً» أو «خائناً»، انتهى العام باستطلاعات رأي تشير إلى تراجع نسبة المطالبين بمعاقبة سنودن بين المواطنين الأميركيين (الى ٤٥٪ بدل ٥٤٪ قبل عام).

وإذا كانت ٢٠١٣ «سنة ادوارد سنودن»، فإن ٢٠١٤ كان عام «تأثير سنودن». ما قام به الموظف السابق في «وكالة الأمن القومي»، من تسريب لوثائق سرية من الوكالة التجسسية، لم يقف تأثيره بعد. لعلّ أهمّ ما بيّنته «خضّة» سنودن كان الهوّة الكبيرة بين الحكومات الغربية وشعوبها، وارتهان معظمها لـ»الأخ الأكبر» الأميركي.
أميركياً، ما زالت الدعوى المرفوعة على سنودن التي تتهمه بالتجسس على حكومة بلاده، تمنعه من الدفاع عن نفسه في محاكمة علنية كما حصل مع المسرّب برادلي مانينع أخيراً. أي أن سنودن لن يمنح حق الدفاع عن نفسه أمام لجنة تحكيم قضائية في حال قرر العودة الى بلاده ومواجهة التهم من خلال القضاء (٣ تهم حيث تصل عقوبة كل منها إلى عشر سنوات في السجن). علماً أنّ قانون التجسس الذي تحاكم واشنطن بموجبه المسرّبين الالكترونيين اليوم وضِع عام ١٩١٧ وكان يطبّق على جواسيس الحرب حينها.
أوروبياً، وبينما طلب البرلمان الأوروبي مساهمة سنودن في التحقيقات التي يجريها بشأن تجسس «وكالة الأمن القومي» على مواطنين وحكومات أوروبية، لم يمنح الاتحاد الأوروبي سنودن حق اللجوء اليه. في شهادة خطية وجهها الى البرلمان الأوروبي، قال سنودن إنّ نواباً أوروبيين أخبروه أن «الولايات المتحدة لن تسمح لدول الاتحاد الأوروبي بعرض اللجوء عليه». من جهة اخرى، بيّنت استطلاعات الرأي أنّ ٥٠٪ من الألمان مثلاً يعتبرون سنودن بطلاً، و٣٥٪ منهم مستعدّون لإيوائه سرّاً في منازلهم، و ٦٠٪ من البريطانيين والكنديين يرونه بطلاً أيضاً. كيف أثرت تسريبات سنودن على الأسواق وصورة الولايات المتحدة إذاً؟
خلال عام ٢٠١٤، رصدت الصحف والدراسات بعض مظاهر «تأثير سنودن» على الحياة الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية. مقابل استمرار ادعاءات بعض السياسيين الأميركيين بأن ما قام به سنودن «عرّض الأمن القومي للخطر» و»عرقل عمل الاستخبارات في مواجهة الارهابيين» و»ضرب علاقات الاستخبارات الأميركية بمؤسسات خارجية»، برزت بعض النتائج العملية على أصعدة أخرى. فقد اعترف بعض النواب والشيوخ بأنّ «وسائل جمع المعلومات التي اعتمدت بعد أحداث ١١ أيلول قد ذهبت بعيداً في عملها». لكن عملياً وفي المجال التقني، يبرز «تأثير سنودن» بشكل أقوى، إذ أعادت معظم شركات الكومبيوتر والانترنت النظر في أنظمة حفظ المعلومات. وحثّ «تأثير سنودن» المستخدمين أكثر فأكثر على اعتماد نظام التشفير لمحادثاتهم ومراسلاتهم الالكترونية. كما أجبر بعض شركات الهواتف الخلوية على التفكير في ابتكار أنظمة «أكثر أماناً». «ذي بلاك فون» أو «الهاتف الأسود» الذي سوّق له على أنه «الهاتف الذكي المصمم من أجل الأمان والخصوصية» وصف بأنه «هاتف عصر سنودن».
بعض مسؤولي شركات البرمجة الأميركية شكوا من جهتهم من «تأثير سنودن» السلبي على مصالحهم، فمعظم زبائنهم «فقدوا الثقة» بكل نظام أو أداة أميركية في مجال العمل الالكتروني، معتبرين أنها «موصولة بطريقة أو بأخرى بأجهزة الاستخبارات الأميركية».
وفيما حاولت بعض الشركات مثل «آبل» إقناع زبائنها بأن برنامج «آي أو إس ٨» الجديد يحتفظ بكل المعلومات بداخله وليس على «كلاود»، وبأن الشركة اعتمدت على أساليب جديدة «خاصة لحقبة ما بعد سنودن»، الا أنها لا تزال مستعدة لتقديم المعلومات في حال طلبت الحكومة ذلك.
عام ٢٠١٤ حقق بعض «الجوائز المعنوية» أيضاً لسنودن. حصل الأخير على جوائز عدّة من مؤسسات تعنى بحريات الصحافة حول العالم، وكّرم في مناسبات عدة ومنح مناصب فخرية في جامعات عريقة. لكن الأهمّ ــ كما كرر المسرّب الأميركي دائماً ــ يبقى تحقيق الوعي عند الشعوب وفتح نقاشات بنّاءة حول ما ترتكبه حكوماتها وخصوصاً «وكالة الامن القومي» لإجبارها على احترام الحريات والخصوصيات كما تنص عليه القوانين. فهل ستخذل الشعوب بطلها؟