ستظل دول الخليج تلعب دور "الأخ الأكبر" مع شعوبها. إذ يصرّ حكامها على البقاء ضمن تعداد الدول "غير الحرة" في تقرير منظمة "فريدوم هاوس" المتعلق بالحريات لسنوات ماضية. وضع جعل غرف مراقبة المنظمات الدولية، تتكدس فيها قوائم بأسماء خليجية لناشطين ومدونين وفوتوغرافيين تراوحت عقوبة نشاطهم الإعلامي بين السجن والتعذيب والقتل. تتفق المشيخات الغنية على وحدة صفها ضد الثورة والتغيير، ولو كان ذلك التصور عن الحرية "المحرمة" قادماً عبر مدونة صغيرة في الفضاء الافتراضي. كل ما في الأمر أنّ مدوّني الخليج وقعوا هذه المرة ضحية الذات الملكية والذات الأميرية غير قابلة للمساس في دساتيرها المقدسة.


"حصار الفضاء الافتراضي" هو السياسة الذي تبنتها هذه الممالك العتيقة التي تلعب دورها المعهود لحماية عروشها بمراقبة الجميع. هكذا، صاغت قرارها المشترك في البحرين الذي خلص العام الماضي إلى ضرورة "تحقيق الأمن المعلوماتي" للدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، سبقها توقيع على "وثيقة الرياض" للقانون الموحّد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات. تهمة صُنعت أساساً بطريقة مستعجلة لمعاقبة المدونين والإعلاميين الجدد في شبكات التواصل من خلال إعداد كتيب ارشادات يجدد كل أربع سنوات ليتسع لما يصنعه التفاف الشباب التواق للحديث بحرية حول جدران الخوف في دول "الأخ الأكبر" الخليجي.
ولا يزال الجدال دائراً حول تلاعب تلك الدول وخلطها بين قوانين الإعلام وقوانين ارهابية. شرعنة تلك المستجدات الأمنية ترافقت مع ما اعتبره كثيرون شرارة "الربيع العربي" في بلدان حاول مدونوها كسر هيبة الديكتاتور، ما سهّل جرف الكثير من المواقع عن الشبكة العالمية ووصمها بالإرهاب واعتقال مؤسسيها وإصدار الأحكام القاسية ضد ناشطين على تلك المواقع والمنتديات، بتهمة إثارة الفتنة والإساءة إلى الذات الملكية والمس بأمن الوطن. والأخيرة هي التهمة الفضفاضة التي يدخل تحت عباءتها كل شيء يعده الحاكم مهدداً لمقامه السامي.

احتفظت البحرين بلقب «مملكة التعذيب»

كل ذلك جعل دول الخليج تتراجع نقاطاً في ترتيب سجل الانتهاكات ضد الإعلاميين، لترد في قوائم "فريدوم هاوس" لعام 2014، وفق الترتيب التالي: 53 الكويت (دولة صنفت حرة جزئياً)، فقطر (152)، وعمان (161)، والإمارات (167)، ثم السعودية (181)، وأخيراً البحرين التي صنفت للعام الخامس على التوالي ضمن "دول غير حرة"، إذ جاء ترتيبها الأخير بـ 881 نقطة بسبب ما اعتبرته المنظمة مقاومة حكامها للتغيير الديموقراطي.
في آذار (مارس) الماضي، منعت الدول الخليجية بعض إعلامييها من الكتابة في الصحف القطرية، بسبب خلافات سياسية. حدث ذلك في وقت كانت تجرى فيه محاكمات لمغردين ومدونين على امتداد الخليج من دون استثناء وبعبثية مجنونة. شبِّهت هذه السنة بالأسوأ في مجال الحريات الخليجية: محاكمات لمغردين في الكويت وإغلاق صحف، واستمرار معاقبة المدونين والنشطاء في عمان والإمارات، فيما احتفظت البحرين بلقب "مملكة التعذيب" بسبب الانتهاكات الجسيمة في سجون النظام ضد الإعلاميين المستقلين. قطر دفعت بكل قوة باتجاه إخفاء موت العمال الأجانب في مشاريعها المونديالية، فمارست المنع والقمع على الصحف وكل من تسول له نفسه فضح العبودية القطرية إعلامياً. وجاءت إقالة وزير الإعلام السعودي عبد العزيز خوجة على خلفية قراره إغلاق مكتب قناة "وصال" المتشددة في الرياض، لتكشف عن صراع التيارين الليبرالي والسلفي في المملكة ضد ما يسميه التيار الأول دعم الإعلام الوهابي الرسمي للارهاب والتطرف على خلفية طائفية. ويرد المتشدّدون على التهمة بمحاولة تشويه المطالب الداعية إلى رفع الحظر عن حرية التعبير والثورة على الفساد، فيتهمونها بالانحلال والفتنة.
أصبحت الدول الخليجية اليوم تملك ماكينة منظمة لصنع قوانين وأنظمة متشددة، يتصدّرها "نظام مكافحة جرائم المعلوماتية" سيء الذكر، إضافة إلى قيام "وزارة الحقيقة" كما يصفها جورج أورويل بإعادة تدوير الجو الثقافي والاجتماعي والديني والسياسي وفق مشيئة الأخ الأكبر الذي يراقبك.