باريس | مهدي قال إننا لسنا بحاجة إلى حجز في فندق، فأصدقاؤه في باريس يلتقون الليلة للاحتفال سوياً، قبل أن يعود كل منهم إلى بلده. سيلفيان سيكون معهم الليلة «وهو سيهتم بكم». ترجلنا من القطار في محطة «مونبرناس»، وبدأنا البحث عن المزلاجات. ظهر سيلفيان أمامنا كما وصفه مهدي، مبتسماً من بعيد.


سألنا سيلفيان عما نود فعله إلى أن تبدأ السهرة في منزل صديقه سيلفيو، وقررنا الجلوس في حديقة «لوكسمبورغ» القريبة، لتناول الـ«باغيت» مع الجبنة وشرب النبيذ الأبيض، بينما نتعرّف إلى صديقنا الجديد وإلى باريس. أخبرنا سيلفيان تفاصيل عابرة، كأنه يملك سيارة «بوغويّن»، جاء فيها من الشرق حيث يعيش، لكي يوصل شقيقه إلى المطار. شقيقه يسبقه إلى كندا. وترك السيارة في موقف «شارل ديغول»، ليتجوّل في باريس على مزلاجاته. لا أحد يحب القيادة في عاصمة العالم. يفضلون قطارات «المترو» السريعة التي لا تنتظر أحداً. يسرعون بالمحطة من خطّ إلى آخر لكي لا يسبقهم القطار. والقطارات لا تنتهي. الحياة سريعة في باريس، تشعر دائماً بأنه عليك أن تسرع لتتمكّن من مواكبتها، على عكس بيروت التي تنتظرنا دائماً. ربما لأن البيروتيين هم الذين يعطون المدينة هويتها، أما باريس فهي تصنع الباريسيين. قدّ يكون الباريسي أي شخص، وخلال ذلك النهار كنا نحن أيضاً باريسيين. مشينا بسرعة على نمط المدينة من اللوكسمبورغ إلى محطة الـ«نوتردام دي شُوْن». جلسنا بين الغرباء في القطار الذي يسلك الخطّ رقم 12 باتجاه شارع «لامارك» في منطقة «مونمارتر» الساحرة. هناك، على الطابق السادس في أحد المباني الطويلة في ذلك الشارع العريض، دخلنا منزل سيلفيو، من الصعب وصف «أجواء» الليلة الجميلة ببضع كلمات.
يمكننا أن نتحدث عن تفاصيل صغيرة. الدرج الحديدي المستدير في وسط الشقّة أو المقعد الخشبي القديم على الشرفة الضيّقة فوق أضواء باريس، الوجوه الأجنبية المبتسمة أو الموسيقى التي تستمر حتى آخر لحظات الليل وترافق الفجر، هناك أيضاً رائحة الشوكولا المحترقة أو النبيذ الأبيض الجيّد. لكن هذه التفاصيل لا تبدو واقعيّة، بل تشبه الأفلام، وإن كانت حقيقيّة وتضحض الصور النمطيّة التي حفظناها في لبنان عن الفرنسيين. علمونا هنا أنهم شعب «عابس» طوال الوقت، وأنهم «لا يحبّون الغرباء». حفظنا أشياء مضحكة أيضاً من نوع أن الفرنسيين شعب «بارد وبخيل» و«لا يعرف شكل الصابون». لكننا لم نقض ليلتنا مع هذا «الشعب»، وكنا ضيوفاً أتوا من خلف البحر وأحضروا معهم أكياس الزعتر وحكايات من شوارع بيروت. فارقنا أصدقاء الليل عند طرف الشارع في الصباح. هناك، ودعنا سيلفيو قبل ان يركب السيارة إلى محطة الـ«غار دو نور»، تجلس القطارات السريعة قبل انطلاقها إلى بلجيكا. وعدنا سيلفيان انه سيلاقينا في المساء أمام «مونبرناس»، ليقضي معنا آخر ليلة في باريس. وهناك، بدأنا البحث مجدداً عن «الشاب ذي المزلاجات»، على مدخل مبنى المحطة في الليل. وبالفعل، أتى سيلفيان على الموعد مستعرضاً مهاراته بالرقص على العجلات الصغيرة. رافقنا خلال الليل، بين منطقتي «بيغال» و«سان مرتان»، حتى أغلقت جميع المطاعم والمقاهي أبوابها. نامت المدينة وحلّ موعد رحيلنا: «سنلتقي مجدداً، ننتظرك في بيروت»، قلنا له بثقة لحظة الوداع. تراجع عن ابتسامته اللطيفة معقباً: «هذا مستحيل».
لم أفهم معنى «مستحيل» إلا بعد عودتنا إلى لبنان. وجدت صفحة سيلفيان على «فايسبوك»، وقلت أضيفه. اكتشفت انه إسرائيلي ومن تل أبيب، شعرت بالخوف والغضب معاً. لم أعرف إن كان الخوف ناتجاً من ارتكابي «جريمة» التطبيع من دون علمي، أو أنه خوف من «العدو» الذي صادقته. لم أعرف إن كنت غضبت منه، لأنه لم يخبرنا هويته الحقيقيّة، أو من نفسي لأنني لم أكن حشرياً بما يكفي وانخدعت بطلاقة فرنسيته. بدأت أبحث في ذاكرتي عن سبب لأكره سيلفيان، من دون أن أجد شيئاً من هذا النوع، فخجلت من نفسي.