استيقظ الحزن معي في صباح عادي في يوم كغيره من الأيام. دخلت أشعة الشمس بصحبة نفحة هواء بارد بين أصابعي، وداعبت فنجان القهوة كنت أرتشف منه آخره. جلست على كنبة غرفة الجلوس لأتنفس، وأحدد «خطة التحرك». إنه يوم «عادي» آخر. لكن صوت طنين تنامى إلى مسمعي وعكر رتابتي، فالتفت وإذ بها ذبابة زرقاء في غرفة الجلوس. راحت تتنقل على الكنبة غير آبهة بوجودي، تلتصق على حائطي، على دمية الفخار.


تابعتها، راحت تتجه صوبي وتحدق بي. حركتها السريعة أشعرتني بالدوار.
ماذا تريد الذبابة بلونها الوقح الذي يلمع تحت أشعة الشمس؟
خرجت من النافذة العريضة ثم عادت وحدقت ثم اختفت. أربكتني، بحثت عنها فلم أجدها ثم ما لبثت أن باغتتني مجدداً. عادت ولكن في هذه المرة رافقتها حشرة طائرة أخرى. استقرت الأخيرة جنب فنجان القهوة. اقتربت وتمعنت بها، إنها ليست ذبابة ولا فراشة، إنها مجرد حشرة تشبه «البشورة». ابتسمت وفرحت بوجودها. قلت: هذا من فضل الزهور على شرفتي، أتت لتطرد حزني وتذكرني كم أحب هذا الحي وزواره.
ما هي البشرة التي تحملها إلي؟ هل الحبيب الذي مضى سيرجع ليسأل عني؟ أو عافية ستعود لعيون أمي؟ تزاحمت الأماني والتوقعات فابتسمت وبي أمل. لكن الذبابة الزرقاء لم تدعنا أنا و«البشورة» نتبادل التبشيرات، عادت لتقلقني بطنينها ولونها الأزرق المريب. كان وجودها مزعجاً لدرجة جعلتني أسرع بالخروج الى الشرفة، وأنا أدندن مثلاً أكرهه «مش رح خلي الذبان الأزرق يعرفلك طريق». أصابتني قشعريرة.
كان أول ما رأيته من الشرفة عربة الدفاع المدني، ورافعة تصعد الى الشرفة المقابلة لشرفتي. هبطت إلى الشارع بسرعة، وانضممت إلى الجيران والمارة الذين يترقبون بصمت. كانوا ينظرون إلى حيث ترتفع رافعة الدفاع المدني. وبعد سؤالي واستغرابي، اقتربت مني الحجة أم محمد وقالت لي: «مسكينة سلمى، لقد توفت ولم يفتقدها إنسان، مرّ عليها شهر وهي تفترش بيتها قبراً لها».
هناك على الطابق الموازي لشقتي في المبنى المقابل: سلمى. من هي سلمى؟ لم أكن أعرف اسمها من قبل، ولم أكن أعلم أن تلك المرأة العجوز كانت فتية رائعة الجمال. هكذا وصفتها الحجة إم محمد، بعد أن دعت الله أن لا تكون نهايتها كنهاية سلمى. قالت لي: سلمى فلسطينية، كانت مضيفة طيران جميلة ولم تتزوج. لديها شقيق وشقيقة في الخليج، لم يرهما يوماً أحد. سلمى وحيدة، طوعاً أو قسراً؟ لا أحد يعلم. قطعت آخر ورقة من روزنامتها منذ أشهر. لم تسقِ الزرع على شرفتها منذ شهر، ولم يتفتح طبق الورد الجوري، تلك الوردة الحمراء الكبيرة التي كانت دليل وجود سلمى على قيد الحياة داخل بيتها.
خلال الشهر كان الحي يعيش يومياته، صاحب الفرن يستيقظ عند الفجر، ثم يليه بائع الخضار، وتدب الحياة يومياً في هذا الشارع. أصحو وأشرب قهوتي لمدة شهر، و تمر بي أيام وليالي على تنوعها، تذهب ابنتي إلى المدرسة وتعود وتلعب على الشرفة. تقلي جارتنا السمك ويتأفف الناطور من كثرة الطلبات. تبتسم العاملة الأثيوبية لصديقتها ويتبادلان أحاديث من شرفة لأخرى. كل ذلك كان يحدث خلال هذا الشهر وسلمى نائمة في موتها.
وقعت سلمى عن السلم. كانت تحاول الوصول إلى العليّة، تهاوت كطائر يهاجر سماء لطالما حلق فيها. زحفت على أرض منزلها. كانت الضربة قوية، لم يحتملها جسمها العجوز، لم تستغث، أو ربما لم يسمع أحد نداءها. لم تتصل بقريب أو جار أو صديق، ولم يتصل بها أحد أيضاً، منذ ثلاثين يوماً. وها أنا أنظر من شرفتي: أرى النوافذ مشرعة، لتخرج روحها وتترك حيّنا لتحلّق بعيداً.