تولوز ــ أسمى العطاونة

ثلاث مدن فرنكوفونيَّة | شاءت الأقدار أن أصل إلى تولوز بعد إقامة في اسبانيا، ومن قبلها في «مخيم اللاجئين» في غزة. أتيت من غزّة هاربة من القذائف والتقاليد، لأصل إلى تولوز ظانّة بأنني سأكون مجرد عابرة، تمرّ بالأمكنة والأزمنة إلى أن تملّني وتقذف بي بعيداً إلى النهاية. لم أكن أعلم بأن أية مدينة «نأتي إليها عابرين»، قد تؤثر فينا فتصير كأنها لعنة لا تمكن خيانتها. تولوز «زوجي» والمدن الأخرى مجرد «عشاق». تولوز هي الوحيدة التي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. تحتمل غضبي حين أفرغه على حيطانها، فيختلط دمي بغبار تراب تعلّق في قرميدها. وهي التي سمعت صراخي حينما «وصلتني أخبار نجاحاتي».

أحبّ نهرها وأشجارها «البكّاءة» المتدلّية بأفرعها الثقيلة على ضفاف النهر. وأحبّ حيث كنت أجلس على حافة النافذة في «العلّية» حيث خصّصت الغرف للخدم قديماً. عارية، لاشيء يغطيني سوى سمائها الحالكة. أجلس وأستمتع بهدوء صقيعها الصباحي. تولوز، المدينة الصامتة التي تخفي شقاوتها في النهار وتظهر ليلاً في ترنّحات السكارى وقرقعة الكؤوس والصحون وأصوات السكاكين والشوك المتشابكة.
تولوز في فرنسا تقع بالقرب من الحدود الشمالية لإسبانيا. كل شيء فيها زهري، وإن كانت مبانيها قد شيّدت بالـ«البريك روج» (القرميد الأحمر المبني من الطوب). الزهري في الصباح والأحمر عند الغروب. هكذا صنعت شوارعها الضيقة من حجارة «زلط» مصقولة وصغيرة، رُصّت الواحدة بجانب الأخرى. أينما تاه العابر سيعود إلى البداية. تنفصل المدينة إلى ضفتين: يسرى ويمنى، يفصل بينهما نهرالجارون. وليس عليك إلا السير أو التجوال على دراجتك الهوائية في الطريق المخصّصة والمحفورة على جسر يتنقل بك من ضفة إلى أخرى. الملاحة أيضاً ممكنة في «كانال دو ميدي»، وهي قناة بناها المهندس المعماري بييربولريكيت، وتصل بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. هذا الرجل الذي أنفق كل ما امتلكه لبنائها، ومات عام 1681 قبل أن يرى نهاية حلمه. انتعشت المدينة الورديّة، وصارت هي الطريق من البحر إلى المحيط. وقد كان هذا سبباً من أسباب ثراء المدينة. هذا الذي نستطيع أن نراه اليوم من «بقايا» القصور التي عاش فيها الأغنياء على الضفة اليمنى من نهر الجارون. هنا، حيث تتميز المباني بالعلوّ، مقارنة بمباني الضفة اليسرى المنخفضة والفقيرة، كما كان أصحابها في العصور التاريخية القديمة.
تولوز، التي بالكاد تتسع أرصفتها الضيقة لقدمي عابر، تخالها رحبة عندما ترى المقاهي والبارات وهي تعرض أجمل مقاعدها الملونة والقديمة، كلّ بحسب ذوق وتاريخ المبنى. ففي حي «الكارم»، والذي لا يبعد إلا دقائق قليلة من مركز المدينة، ستجد بار «لو ماتان» (الصباح)، والممتلئ دائماً بالقراء والكتاب وأصحاب العمل الذين يلجؤون إليه لاحتساء قهوة الصباح مع الـ«كرواسان» بالزبدة الدافئة. لتولوز رائحة الخبز الطازج (باغيت) التقليدية والمميزة. ثمة ما يميزها أيضاً عن غيرها من المدن الكبرى، فهي مدينة هادئة تعشق البساطة والتلقائية. تولوز مدينة «حنطية»، تمتزج بشرة سكانها بخليط من الإسبان والإيطاليين والبرتغاليين.
لقد مرت على المدينة شعوب مهاجرة، هربت من الطغاة في زمن الفاشية الإيطالية والإسبانية ووجدت مقرها هنا في المدينة الصغيرة. وحتى أيامنا هذه، يمكن أن نسمع إلى سكان ناطقين بالإيطالية والإسبانية والبرتغالية، ولديهم ما يسمى بـ»بيوت»، المكان الذي يجتمعون فيها لإحياء احتفالاتهم. ولتولوز تاريخ ثوري ضد السلطة في باريس، التي أجبرت سكان تولوز على التوقف عن التحدّث باللغة الأوكستانية. هذا التاريخ الذي بقي بعض منه إلى الآن، ويتمثل بإصرار سكان تولوز على الحفاظ على لكنة جنوبية تلفظ فيها كل الحروف. وعلى سبيل المثال، يهزأ الباريسيون من بعض المصطلحات «التولوزية»، ومنها مثلاً الـ»شوكولاتين»، أي الخبز بالشوكولا، والتي تختلف عند الباريسيين اختلافاً جذرياً، فهنا الخبز بالشوكولا «بان أو شوكولا»، وليس «شوكولاتين».
وليس هذا فحسب، فنلحظ أيضاً «آثار الحرب الباردة» بين باريس وتولوز عند مباراة «الرجبي» بين نادي تولوز والمعروف عالمياً وأوروبياً نتيجة حصوله على جوائز عدة وبين نادي باريس. وثمة نصيحة هنا للزائرين الجدد لتولوز بعدم ارتداء أي لون يميل إلى الأزرق أو الزهري وهي ألوان نادي باريس... وميزة أيضاً، وهو أنهم على عكس غيرهم من الشعوب، ففي وقت يتوجه سكان المناطق المجاورة إلى الكنائس نهار الأحد، يحمل سكان تولوز سلال القش ويقصدون أسواق الأحد في الهواء الطلق.
لتولوز رائحة البنفسج أيضاً، فقد اشتهرت المدينة بزراعة الـ»فيوليت»، الوردة التي تطوّق برائحتها قرميد المدينة الجنوبية، دون غيرها. وهي التي يصنعون منها أيضاً العطور والصابون والحلوى والورود المجففة التي تدفنها الجدات في خزانة ملابسهن للمحافظة على رائحة جميلة. وهناك أيضاً، تباع زهور اللافندر. ومما يميز تولوز أيضاً، هو قربها من الجبال «لي بيرانيه» للتزلج في الشتاء، وقربها من المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. ولا ضير في أن تقضي العائلات عطلتها الصيفية على إحدى الشواطئ أو في الجبل أو في قرية من العصور الوسطى التي لا تبعد سوى دقائق من تولوز المدينة.
أما مصدر غنى مدينة تولوز، فيعود إلى شهرتها في صناعة طائرات «إيرباص» والتي تصنّع في محافظة «بلانياك»، على مقربة من المطار الرئيسي. وفي المجال الثقافي، يوجد في المدينة ثلاث صالات سينما، منها ما يعرف بالسينما البديلة والفنية والأخرى التجارية. أما ما يميّز تلك الصالات، فهي أنها ملجأ للكل، إذ إنها تراعي في أسعارها الحالات الاجتماعية لزوارها. ولم تكتف بهذا، فقد أخرجت إلى العالم مغنّي «الجاز» كلود نيجارو، والذي حجز لاسمه مكاناً في العالم بأسره، فمن لم يستمتع بمناجاته لتولوز «أوه تولوز». تلك الأغنية التي تحكي المدينة بتفاصيلها.
في تولوز أتسكع سيراً على الأقدام، وفي بعض الأحيان على دراجتي الهوائية. أتلمّس قرميد بيوتها، ولا أنسى زيارة «قصر المياه» والذي هو عبارة عن «ساقية» قديمة تحولّت إلى معرض صور على يد مصور «تولوزاني». هناك، حيث تستمع لخرير المياه وتمتّع ناظريك في الوقت نفسه بالصور المعلّقة على الجدران. كما لا أنسى أن أتذوّق «النبيذ الأحمر» مع «تارتين من الفواغرا» أو خبزة محمصة ومدهونة بكبد البط.
وكيف لنا أن لا نستيقظ على أجراس الكنائس المهجورة من المصلين، وكيف لنا أن لا نستمتع بالانتظار في الطابور أمام مطاعم الطابق الأول من سوق فيكتور هوغو، لنحجز كرسياً. وكيف لنا أن نمر بجانب «جوزيان»، النادلة العجوز، التي ترحب بنا في مطعمها وكأننا نزلاء في بيتها الخاص، وتخبرنا بكل فخر بأنها تمتلك المطعم أباً عن جد. ذلك المكان الذي يشبه مدينته ببساطته.