بروكسيل ــ سمير يوسف

ثلاث مدن فرنكوفونيَّة | ثمة خلاف حول تاريخ نشأة بروكسيل المقاطعة. لكن، هذا الخلاف لم يمنع المؤرخين من أن يتفقوا على شيء واحد بشأنها، وهي أنه في مطلع الألفية الثانية، شكلت هذه المقاطعة ـ التي هي اليوم واحدة من المقاطعات الـ19 التي تشكل بروكسيل الكبيرة ـ تقاطعاً تجارياً مهماً بين مدينتي بروج (بلجيكا) وكولونيا (ألمانيا). ففي بروكسيل، ليس غريباً وجود أثر لكل شعب عبر فيها.

في الدولة الصغيرة، التي تنازع عليها الإسبان والفرنسيون والهولنديون حتى قيام ثورة 1830، هناك آثار لشعوب عدة مكثت لتدمر وتبني، أو لتعيد تصميم ما بني قبلاً.
المدينة اليوم، ليست كوزموبوليتانية باختلاف قاطنيها وتعدد جنسياتهم فحسب (121 جنسية في مقاطعة أندرلخت)، بل إن هذه الفسيفساء الملوّنة تشعبت لتطاول كل شيء، بدءاً من اللغات إلى التعليم إلى القوانين وصولاً إلى العمارة. تاريخياً، كانت العمارة الرومانسكية (القروسطية) هي البارزة، وما زالت حاضرة ـ ولو بضآلة ـ في مركز المدينة. هذا المركز الذي يحتضن إلى الآن أكثر من كاتدرائية قوطية. «الساحة الكبيرة»، التي وقع جان كوكتو في حبها في وسط المدينة، تعود إلى عصر النهضة الفلماني، بينما نجد في أمكنة أخرى قصوراً بنيت على طراز عصر النهضة الإيطالي. وينسحب الأمر على «الهندسات» الأخرى من باروكية وتقليدية، وغيرها من الهندسات المستمرة إلى أيامنا هذه. غير أن هذا التعدد الهندسي موجود في عواصم أوروبية كثيرة، وهو ليس سوى نتيجة تتابع السلطات.... وتقدّم الدنيا، إذا جاز التعبير.
بمعزل عن القواسم التاريخية المشتركة التي تجمعها بزميلاتها الأوروبية، لبروكسيل قصة خاصة يزيد من تعقيدها الصراع بين «واليفورنيا» و«فلمنكستان». على عكس المدن العريقة، لم تنطلق المدينة، التي يقطنها أكثر من مليون نسمة اليوم، ولم تتوسع بدءاً من وسطها التاريخي، بل توسعت من زوايا عدة، ما أتاح لكل مقاطعة الحصول على نوع من الاستقلال الذاتي. الجدير ذكره هنا، هو أن الجداول والسواقي الطبيعية رسمت الحدود الأولى بين المقاطعات. وما كانت نتيجة ذلك الأمر إلا أن حدّت المقاطعاتُ من سلطة الدولة التي هي فدرالية أساساً. وكان من الطبيعي أن تولّد هذه الاستقلالية نوعاً من الفوضى. هنا أيضاً، ثمة اختلاف على التعبير. أهي «فوضى»؟ أم «قلة تماهي»؟ على كل حال، هناك أشياء لا يمكن أن يغفلها أي سائح يزور بروكسيل، فهي تعيش في حفريات على مدار السنة، كما أن أرصفتها سيئة في أمكنة كثيرة، ناهيك عن وساختها وازدحام السير فيها. ثم إن تلك الاستقلالية ولّدت كذلك جواً قروياً ما زال يخيم بقوة على المدينة، بحيث انغلق الجميع، كلّ في مقاطعته كأنها دولة بذاتها. تخيّل نفسك في قرية، حيث اللحام يعرف أخبار الخباز، والخبّاز يعرف أخبار البقّال وينعته بشتّى النعوت بين الحين والآخر. هذه هي ملامح عاصمة الاتحاد الأوروبي السياسية (مكاتب المفوضية الأوروبية) وليس في هذا أية مبالغة. الدليل على ذلك، أن كل الذين يتحاشون المدن الكبرى ـ أو المطاحن كما تقول العبارة الفرنسية ـ يلجأون إلى بروكسيل الصغيرة. لا أحد يمكن انكار نجاحها على هذا الصعيد. كما أن هذا التنظيم، الغريب عن عواصم أوروبية أخرى، ولّد عجائب وطرائف، كأن تكون «جادة لويز» مثلاً تابعة لثلاث مقاطعات مختلفة. يمكننا أن نقول إن هناك 19 مدينة و19 إدارة في مدينة واحدة. 19 قرية إن صحَّ التعبير، ولو أن المدينة بدأت تشهد تغييراً باتجاه التمدّن منذ بداية الألفية الثالثة.
بين الخمسينيات والسبعينيات، شهدت المدينة حملة تجديد كبيرة عُرفت بالـ «Bruxellisation». كان من المفترض أن تصبح بروكسيل مدينة إدارية على نسق واشنطن حيث لا أحد ينام، لكن الحملة تمّت كيفا اتّفق، رغم انجاز مبان رائعة بنيت على طراز الفن المعاصر، منها «La maison Old England» ومبنى «البوزار». غير أن هذه الحملة نفسها، «كنّست» بيت الشعب من تصميم المهندس الشهير فيكتور هورتا، وهدمت غيره من المباني التراثية. وسرعان ما اخترقت طرق سريعة وضخمة ضواحي المدينة الصغيرة من كل حدب وصوب، وطوّقت مركز المدينة التاريخي وعزلته، ثم شبّت أبراج عالية بشعة وسط أبنية متواضعة وصغيرة بنيت بالطوب النبيذي. تلك الفترة كانت عبارة عن مسلخ هندسي بكل ما تحمل الكلمة من معنى. تحوّلت المدينة إلى مختبر معماري حاول فيه المهندسون تطبيق أفكارٍ لم تنجح سوى نادراً، نراها تتكرّر حتى أيامنا هذه، وأبرزها المزاوجة بين هندسة قديمة وأخرى حديثة. وقتذاك، اتهم الوالونيون (الناطقون بالفرنسية) الفلمان بنيتهم تدمير المدينة لأنها صارت فرونكوفونية رغم وقوعها، جغرافياً، في الشطر الفلماني.
بروكسيل عبارة عن مدينة «إشكالية». يمكن أن تفاجئك في أية لحظة. منعطف وحيد قادر أن ينقلك من بين بائعي المخدرات في «ماتونغيه» (حيث تعيش الجالية الكونغولية) إلى أمام محال فخمة علّق على واجهاتها ذنب ثعلب بني سعره ألفي يورو، ثم ينقلك منعطف ثان إلى قبالة مبان ضخمة زرقاء وباردة فيها مكاتب المفوضية الأوروبية. ليست هذه المدينة مدينة سياحية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. إنها أكثر من واحدة. بودلير كرهها ورينيه ماغريت أحبها. من المؤكد أنها لا تملك وجها مشرقاً كباريس، وليست واسعة ومخيفة مثل لندن، أو عظيمة مثل روما. إنها لم تدّع ذلك يوماً. إنها تحمل غيمها الرمادي تسعة أشهر في السنة. بعد أربع سنوات من الحياة هنا، لم أغير في قناعتي شيئاً. يتهيأ لي أن البلجيكيين قصيرو القامة. ويتهيأ لي أنهم بسيطون، وأنهم ما زالوا سعداء فيها، رغم أنهم يعيشون في بحر من المهاجرين. طالما هناك «بيرا»، فهم سعداء. أعرف أنه في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، قال عنها أحد الكتاب أنها «مدينة من العالم الثالث تقع في الشمال». قد يكون هذا القول صحيحاً، وقد يكون خاطئاً أيضاً. بروكسيل ليست من المدن التي تستعجل إظهار وجهها لك. قد تظهر له شيئاً من أشكالها الكثيرة، لا «شكلها الوحيد» كما قال بودريارد عن المدن. إنها وفية لتاريخ هذه المملكة، غير المفهوم، بحسب مراسل القناة الفرنكو ـ ألمانية (آرتيه). بروكسيل متنوعة مثل سكانها ولغاتهم. ملونة مثل ألوان البيرا الكثيرة. في شوارعها متسوّلون ومجانين كثر، وفي حاناتها مسؤولون تثقيفيون مختصون بالبيرا. قال لي مرة أحدهم: هل تعرف أنك إذا شربت زجاجة من الأورفال لست بحاجة إلى «تارتين»؟ بروكسيل تمتلك أقنعة كثيرة، بحيث يراها كل منا كما يريد. من يعرف، قد تكون في نهاية المطاف من دون وجه. Et alors؟