«أواجه موتك وحدي وأجمع ثيابك وحدي وأشمّ رائحة قمصانك العطرة وحدي وأصرخ مثل المجانين وحدي. كل الوجوه أمامي نحاس وكل العيون حجر، فكيف سأقاوم سيف الزمان وسيفي انكسر. أقسم بالله وتراب الأقصى والقمر والحجر، لن يذهب دمك سدىً. سنثأر. سنثأر. سنثأر». هي رسالة طويلة خطّت على قبر شهيد فلسطيني في مدافن منظمة التحرير الفلسطينية ـ شاتيلا، وذُيّلت بتوقيع أصدقائه. لا يمكن لزائر مدافن المنظمة المقسّمة إلى ثلاثة أقسام تقابل بعضها، أن يمرّ على تلك الرسالة مروراً عابراً أو أن يستثني أيّاً من قبور أهلها. فكلّ واحد منها هو اكتمالٌ لوجع النّكبة.


تعدّ مقبرة منظمة التحرير الفلسطينية أو مقبرة شهداء فلسطين من ضمن ذاكرة بيروت. تلك المدينة التي لا تخرج إلا من الكلّ الأساسي، أي الإنسان، ولا تستقرّ إلا في راحته. المدينة نفسها التي احتضنت الفلسطينيين في لجوئهم وفي موتهم أيضاً. وكانت مقبرة منظمة التحرير هي بيتهم الأخير الذي احتوى تاريخهم الطويل من النضال والثورة والعمليات الفدائية التي خاضوها ضد العدو الإسرائيلي.
هناك، في مقبرة الشهداء، تمشي امرأة ثلاثينيّة بين القبور، حاملة بيدها اليمنى «نبريش» المياه وباليد الأخرى «مقشّة» صغيرة. تغسل القبور واحداً تلو الآخر. تقول إن أهلها مدفونون هنا، وهي تزور المكان دائماً «لأن هدول كلهم أهلنا، وأنا بَسمع إنّو الميّت بِفرح بالميّ». تتفاوت أشكال القبور بين قديمة وجديدة، ويُمكن تمييز ذلك من لون البلاط من أبيض إلى رماديّ. ومن الحجر الذي يتكسّر ويتكوّر على بعضه مع تراكم السنوات. وتحتل البلاطات الرماديّة منقوشات تجسّر المسافة بين الموت وحلم فلسطين. من بين تلك المنقوشات «استشهد دفاعاً عن الثورة» و»عاشت فلسطين حرة عربية: المجد والخلود لشهدائنا الأبرار وإنها لثورة حتى التحرير والنصر» و»أتمنى أن لا أموت على أرض غير أرض فلسطين». تُشكّل هذه الجمل مرآة للأجساد المخفيّة خلف البلاط، تنفي عنهم صفة الفناء، لأنه لا يمكن أن يمرّ بها أحد ولا يسمع معها أصواتاً مرافقة. هذا الحفر ليس على القبور فقط، إنما في الذاكرة أيضاً. تلك هي بلاطات العبور إلى فلسطين.
افتتحت مقبرة منظمة التحرير في لبنان بعد فترة وجيزة من تأسيس المنظمة عام 1964، فيما كانت المنطقة قبل وجود المقبرة فيها، تُعرف بحرش شاتيلا أو رمل شاتيلا. ومع تطور شكل الحياة، وتفاقم الأزمات التي عصفت بالفلسطينيين، كان لا بدّ من تأسيس مقبرة رسميّة خاصّة بهم. «سعت آنذاك المنظمة في عهد رئيسها أحمد الشقيري إلى الاتفاق مع مسؤولي الأوقاف الإسلامية في بيروت لإعطائهم أرضاً بهدف تحويلها إلى مقبرة”، يقول الباحث والمؤرخ الفلسطيني صقر أبو فخر. وقد اتخذت اسم «الشهداء» عام 1968، مع ظهور العمل الفدائي في لبنان، حين بدأ بعض الفلسطينيين يسقطون بالعمليات والدوريات في مناطق متعددة، أو أولئك الذين انضموا إلى معركة الكرامة في غور الأردن ضد الجيش الإسرائيلي.
عند التجوّل في المقبرة، يلفتك التنوّع الطائفي فيها، إذ إن ذلك لا يعد أمراً مألوفاً في العادة. فيما يطلع هذا المشهد «كصورة عن فلسطين المستقبلية أو فلسطين التي طمحت إليها الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية. نتمنى أن تكون فلسطين المستقبلية على صورة المقبرة وأن لا تتحول إلى مقبرة»، يعلق أبو فخر. يضاف إلى ذلك، فهي تضم شهداء «المجلس الثوري» التابعة لصبري البنا (أبو نضال) الذي اشتهر بخلافه مع المنظمة، لكن «عند الموت يتساوى الجميع»، يتابع أبو فخر.
ثمة ما يميز تلك المقبرة أيضاً، وهو أن الشاب اللبناني خليل عز الدين الجمل أول من استشهد من اللبنانيين في سبيل القضية الفلسطينية في الأردن عام 1968، ودفن في مقبرة المنظمة. وكان استشهاده الشرارة الأولى التي شجعت شباب عرب من غير الفلسطينيين على المشاركة في الكفاح إلى جانب الفلسطينيين. في ما تضمّ المقبرة أعداداً كبيرة من الفلسطينيين الشهداء وغير الشهداء ومنهم من جنسيات عربية مختلفة، مثل علي سلامة (أبو حسن)، قائد القوة 17 في حركة «فتح» وغسان كنفاني، الكاتب وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني، والمفتي والمناضل أمين الحسيني، والمناضل والشاعر كمال خير بك وماجد أبو شرار، العضو في اللجنة المركزية لحركة «فتح».