في الواقع كانت المدام «ميم» بغاية اللطف فعلاً. أجمل سيدة عجوز رأيتها في حياتي، أجمل حتى من مدرّسة الديكور الطيبة السيدة «ألف». كل فساتينها بألوان الطبيعة، الترابية والباستيل منها: أشياء رائقة بحقّ. وجميع تلك الفساتين تبدأ من تحت العنق بسنتيمترات قليلة، وتنتهي في المسافة الواقعة بين الركبة والكاحل. شعرها القصير مصفف إلى الوراء في تسريحة أبديّة، بحيث أني لا أخالها جرّبت يوماً غيرها.


رصانتها لا تبيح لها أن تصبغه، ولا خصل تخرج متمرّدة عن «التصفيفة» البيضاء المستوية أبداً. كل شيء في مكانه، ومدام «ميم» هي أجمل قطع محلّها الأثري. كي تتخيّلها على نحوٍ أفضل: فولارها الحرير الذي تضعه صيفاً وشتاءً، مربوط دوماً في عقدة صغيرة حول عنق ذي ثنيات دقيقة. رائحتها «صابون»، كمعظم الذين يتقدمون في السن، لكنه ليس ذلك الصابون البلدي أو المعطّر الرخيص. لا بدّ إنه صابون مستورد، من فرنسا على الأرجح. وقد كانت، كما قلت، بغاية اللطف فعلاً، فقبلت على الفور عرضها عليّ مهمة الاهتمام بمتحفها الصغير. في الواقع، ليس أحب على قلبي من تمضية وقتي مع أغراض صمّاء بكماء، عمرها مئات السنين، في مكان نادراً ما تطأه أقدام بشرية دخيلة. كانت تلك وظيفة العمر بالنسبة لشخص بمثل حالتي، يحب الأشياء الهشة والعتيقة، ويتوتر سريعاً من الاجتماع بالناس.
زرت السيدة «ميم» أربع مرّات أو خمس، تعلّمت فيها أسماء أدويتها والبلدان التي زارتها وأعمار الأشياء الجميلة المعروضة. لم يفتها أن تُعلِمَني أن أصدقاءها هم من عائلات إقطاعية أصيلة. هي لا تحب «نوفو- ريش» ما بعد الحرب، ولا تحب الحرب، لأنها كادت أن تقتلها ــ بالخطأ ــ يوماً ما. فكرّت بأسماء أصدقائها المألوفة، وغير الأليفة بالضرورة، وسألت نفسي للحظة عمّا أفعل في هذا المكان. فكرت بكلفة تأثيث تلك الغرفة بارعة الجمال.

■ ■ ■


حسناً، الحكاية تُحكى في جملتين:
في أوّل مرة رأيت فيها السيدة «ميم»، قالت لي: «إنتِ هدية من السما».
في آخر مرّة رأيت فيها السيدة ميم، قالت لي: «إنتِ من الضاحية، بعرف، بس مهذبة وذكية وبتعرفي تلبسي».
بعد كلمة «بس»، سألت نفسي للحظة أطول بكثير من اللحظة الأولى عمّا أفعل في هذا المكان. كان ذلك كوكباً آخر أعاينه بوضوح للمرّة الأولى.

■ ■ ■


استقلّيت الفان إلى الكوكب الأم يومها، إلى الضاحية، وكانت الشمس ترنو إلى مغيبها. عندما نزلت، كانت سحب الدخان تتصاعد من مكان قريب في الشارع الموازي. لم أسمع أي صوت، لكن في لحظة، صار الجميع يتجه نحو الدخان بسرعة. دراجة نارية كادت تدهسني في طريقها مسرعة نحو المكان، فتبعتهم.
في اليوم التالي، اتصلت بالسيدة ميم. كلّمتني لنحو عشرين دقيقة عن وضعها الصحّي، وقالت إنها الآن قابعة في المستشفى الذي تكرهه، تنتظر طبيبها الشخصي ليأتي إليها. تمنيت لها الصحة من قلبي، واضطررت إلى أن أكرر وأن أرفع صوتي كي تسمعني جيداً. ثمّ أردفتُ: عزيزتي السيدة «ميم»، أنا أحب أغراضك الصماء العجوز مثلك، لكنني لن أستطيع العمل معك في عالمك القصيّ. عليّ أن أبقى هنا، وأعُدّ الانفجارات وأحصي الشهداء والحرجى، وأجمع أعصابي. وتلك وظيفة بدوام كامل، ولا تحتاج لباساً «متحفجياً»، ولا ذكاء خارقاً. كما قد تعوزها بذاءة اللسان أحياناً. وهي وظيفة مضنية بما يكفي، صدّقيني مَدام، وداعاً.