لا تزال النيران التي أحرقت المكتبة في ديرسريان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، تشتعل في قلب علي مزرعاني حتى الآن. قبلها، كانت مكتبة جده لوالدته التي تجمع كتباً قديمة ووثائق نادرة، مرتعه الأمتع. وفي بيت ذويه في النبطية، يستكمل متعته بتحويل الجرائد والبيانات التي يحتفظ بها والده الناشط في النقابات العمالية، إلى أقاصيص من ورق، مركزاً على جمع الصور المنشورة في الجرائد لأنها توثق اللحظة أكثر من أي خبر.


لكن مصير مكتبة ديرسريان، حمّل الفتى همّاً كبيراً. كيف يحمي مقتنيات والده من مصير مماثل لا يعوّضه شيء، خصوصاً أن محيطه كان تحت مرمى القصف الإسرائيلي؟ بدأ بتوثيق كل ما يدور حوله. استخدم الكاميرا السوفياتية التي أهداه إياها والده. بدأ يصوّر الاعتداءات الإسرائيلية وضحاياها ويكتب يومياته. صورته الأولى التي لا يزال يحتفظ بها، رصدت القصف الإسرائيلي على النبطية وتحرك الفدائيين الفلسطينيين.
ثم صار يشتري الكتب القديمة والجديدة ويحتفظ بها. الاحتلال والأحزاب والقوى الفلسطينية اعتقلته مرات عدة. «كنت وحيداً أتنقل في الخطر وأصوّر، فيظنون أنني عسكري ولم أكن صحافياً معتمداً».
رصد انسحاب الفدائيين ووصول مقدمة الاحتلال إلى ساحة النبطية وإسقاط طيارة للعدو... حتى عام 1999، كانت الكاميرا هواية لدى مزرعاني. ولأنه يؤمن بالمشاع الثقافي والمنفعة العامة، قرّر ضم ما جمعه وإصداره في كتب متتالية. البداية كانت مع كتاب «النبطية في الذاكرة» ثم «قضاء النبطية في قرن 1900-2000»، ثم «النبطية ذاكرة المكان والعمران». لكن الإصدار الذي يتوّج تجربته كما يقول، المجلدان اللذان يعمل على إعدادهما «النبطية بين السياسة والأمن 1881-2014».
لم يجنِ الأرباح من جمع التاريخ. تطوّع في الجيش حتى صار مؤهلاً أوّل، وتابع دراساته حتى نال دبلوم دراسات عليا في العلاقات الدولية. بجهد وتمويل فردي، دخل مزرعاني البيوت والمكتبات وتاريخ الناس باحثاً في الذاكرة. منهم من تعاون ومنهم من تحفظ، رافضاً إعطاءه ما ورثه عن آبائه. فيما جرف آخرون الوثائق والكتب، كما جرفوا منازل الأجداد. يلفت إلى أن شبكة الإنترنت، لم تفده في عمله. لذلك، يعكف منذ سنوات على أرشفة أعماله على الحاسوب ليطلقها بين أيدي الجميع، إضافة إلى الكتب.
يزهو مزرعاني بالكنز الذي يملكه. يشعر بأنه أغنى الأغنياء الذي لن يورث بناته الثلاثة فحسب، بل أجيالاً متلاحقة أعاد لها مستحقاتها من تاريخ الأجداد. الشاعر عباس بيضون أهداه ديوانه «خلاء هذا القدح». كتب له: «إهداء إلى علي الذي قدحاه كاميرا لا تخطئ وأرشيف لا يخلو. دام قدحاه».

فهرست جبل عامل

في المدخل إلى كتابه الحديث «فهرست جبل عامل لبنان الجنوبي 1906 و2013»، يقول علي مزرعاني: «كان ضياع العديد من المؤلفات والمطبوعات التي تناولت لبنان الجنوبي خلال القرن العشرين، الدافع الأول الذي حفزني على القيام بإعداد الفهرست وجمع المطبوعات في كتاب واحد كي تبقى حية لأطول مدة ممكنة.
وكي نسهّل للباحثين في تاريخ جبل عامل العودة اليها ساعة يشاؤون. وكنت كلما لاح لي عنوان لكتاب، أبدأ رحلة جديدة كي أحصل عليه وكلما قرأت في أحد المراجع عن كتاب جنوبي أبدأ بالاتصالات حتى أتمكن من العثور عليه او اتصل بمؤلف الكتاب إذا كان حياً أو بأقربائه إذا كان متوفى».

يملك مزرعاني النسخ
الأصلية من الكتب التي ينشر صور أغلفتها


«تبارك غرسك يا علي وطاب حصادك الوفير». هكذا أنهى الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق تقديمه للكتاب التوثيقي للكتب والمنشورات والمصلقات التي صدرت في تلك الفترة حول الجنوب وأبحاث في تاريخ جبل عامل منذ نشأته التاريخية وتطوره الاجتماعي والسياسي وصولاً الى مطلع القرن العشرين وبداية الانتداب الفرنسي مروراً بمعركة المالكية... وليست المنشورات بالعربية فحسب، بل جمع من اللغات الأجنبية منها الفرنسية والفارسية والانكليزية والنروجية والاسبانية والعبرية. يرى صادق أن «ما أقدم عليه علي مغامرة جريئة في ظل الافتقار إلى وجود مؤسسة ثقافية علمية أو مركز أبحاث أو دراسات». أما الشاعر محمد علي شمس الدين الذي أكمل المدخل إلى الفهرست، فقد وصف من تقصى أكثر من ألف مرجع متنوع بيت كتاب وملصق وصحيفة، بأنه «صاحب جلد جرماني». والأكثر قيمة أن الكتب التي تصلنا منها صور لأغلفتها في الفهرست، يملك مزرعاني نسختها الأصلية في مكتبته الخاصة. نسخ قد لا تتوافر إلا لدى ورثة واضعيها. منها أقدم كتاب طبع في الجنوب «رنّة الشجن في مراثي الحسن» من إعداد طلاب السيد حسن يوسف مكي العاملي، مؤسس المدرسة العلمية في النبطية والمتوفى عام 1906. وقد نشرته المطبعة العثمانية في بعبدا في العام ذاته.
كذلك، امتلك كنز النسخ الأولى من مطبوعة «العرفان» الصادرة في صيدا عام 1909 وجريدة المرج الصادرة في العام ذاته في مرجعيون. الفهرست ذاته يرصد منشورات تقلب تجارب بلدات بكاملها لا سيما خلال الاحتلال الإسرائيلي، منها «دولة لبنان الحر إعداد تكتل الجنوب اللبناني الناشر جريدة الأحرار» و«جريدة الوطن الصادرة عن الحركة الوطنية اللبنانية» و«صوت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال والفاشية الصادرة عن جبهة المقاومة الشعبية لتحرير الجنوب».
في ركن خاص، يستعرض مزرعاني محطات الصحافة الجنوبية. فيعرض نسخاً من «جريدة المرج» التي استمرّت في الصدور حتى عام 1959 و«القلم الصريح» المرجعيونية أيضاً الصادرة عام 1931 و«ثمرة الفنون» إصدار المدرسة الانجيلية عام 1932 صيدا و«العروبة» عام 1934. ولاحقاً العزرال من المروانية الصادرة عام 1981 والجنوب الاغترابية صدرت 1989 وصوت النادي زبدين صدرت عام 1976.

النبطية في الذاكرة

لا تشبه النبطية الحالية تلك اللوحة المنمقة التي يرسمها علي مزرعاني في كتابه «النبطية، ذاكرة المكان والعمران» الصادر عام 2012. المجلد الذي يستعرض صوراً لبيوت جرفها معظم أصحابها موجزاً تاريخها، يبعث على الندب على تراث استغنينا عنه في حاضرة جبل عامل المذكورة في يوميات عدد الرحالة المستشرقين منها كتاب الرحالة إدوارد روبنسون «يوميات في لبنان» الذي زاره عام 1852، مفرداً شقاً واسعاً للنبطية.
فوق الأنقاض متحسّراً، وقف علي مزرعاني، مطلقاً مبادرته. «نحاول جمع ذاكرة البيوت والعمران ونركّب الصورة من جديد.
فنجمع الأضداد ونقرّب المسافات ونحاول وصل ما انقطع من العادات والتقاليد في ظل هذه المدينة المتوحشة التي زرعها الغرب فينا، محاولاً طمس هويتنا ولصق هوية جديدة في أجيالنا لا طعم ولا لون لها لإبعادنا عن تراثنا وجعلنا أدوات. نحاول ولو بالصورة في هذا الكتاب الحفاظ على بقايا تراث معماري زال أو على طريق الزوال. إن هذه المحاولة المتواضعة هي دفاع عن كياننا وهجوم على من يحاول طمس هويتنا والقضاء على ذاكرتنا».