عنبرة سلام الخالدي*

... أما اصطيافنا في صوفر فقد كان أقلّ عناء، لأن القطار وحده كان واسطة الانتقال. ولكن المشقة الكبرى كانت حينما قرّر إخوتي الكبار الاصطياف في بلودان، لكي يكونوا على مقربة من صيد الحجل، الكثير الموجود في تلك النواحي. وأذكر أننا أمضينا القسم الأكبر من النهار في القطار، من بيروت إلى الزبداني، ومنها ركبنا الدواب، تسير بنا صعوداً إلى بلودان، وقد كان أصحاب الدواب ينتظرون على رصيف المحطة ويتنافسون في اصطياد الركاب، كما تنتظر التاكسيات قدوم المسافرين هذه الأيام أمام المحطات في المدن الكبرى أو خارج المطارات.

والحق أنه لتأخذني الدهشة حينما أرجع إلى ما شهدته في حياتي من تطور لطرق النقل. فقد كنت أرى جدتي حينما تركب العربة لا تنفك تتمتم بالأدعية والتعويذات خوفاً ورهبة، إلى أن تصل الى المكان المقصود وكأنها تستقل صاروخاً. وكان القطار وسيلتنا الوحيدة للتنقل البعيد، وخطه الوحيد في لبنان يمتدّ من بيروت إلى دمشق. وكان يقف عند كلّ محطة في كلّ قرية تقريباً، وفيها يهرع البائعون إلى نوافذ القطار يقدمون سلالهم المملوءة بالفاكهة الصيفية والخبز المرقوق واللبنة، كما يتراكض صغار يلوّحون ببعض الجرائد والمجلات والروايات المترجمة، وأغلبها روايات شارلوك هولمز التي تعرّفت إليها للمرة الأولى في القطار، وكنت مع إخوتي نعكف عليها برغبة حارّة حتى نأتي على ما فيها قبل انتهاء الرحلة.
وأبعد ما ذهبت إليه من رحلات كانت زيارة بعلبك التي ذهبت إليها بصحبة أمي وأحد إخوتي، وكانت الزيارة مثيرة حقاً، حيث انتقلنا في محطة رياق من قطار دمشق إلى القطار الذاهب إلى حلب، وأقمنا في بعلبك أياماً نزلنا فيها ضيوفاً على أحد أقارب والدي، الذي كان موظفاً كبيراً هناك، لأنه كان يعتبر من غير اللائق نزول المحجبات في الفنادق (ولا أدري إذا كان ثمة فنادق في بعلبك تلك الأيام). وصرنا ننتقل بالذهاب من رأس العين إلى الضواحي، وإلى منازل آل حيدر وغيرهم، ثم ذهبنا لزيارة القلعة التي كانت غاية زيارتنا الأولى لبعلبك. وقد أخذتنا الدهشة لرؤية ما بها من عظمة وضخامة وما وراءها من تاريخ حافل كان يفسره لنا أحد أدلة السيّاح. ولا أعلم كم من الحقائق أورد لنا وكم من المبالغات قصّ علينا.
وأعتقد أنه استغل دهشتنا فأدخل في محاضرته ما فعلته أيدي الجنّ من معجزات في بناء القلعة وفي تهديمها.
وأذكر رحلة أخرى بالقطار من صوفر إلى زحلة، حيث صحبت والديّ لقضاء نهار هناك وزيارة معرض أقيم فيها لمختلف المصنوعات والبضائع التي يستوردها كبار التجار. وكان أول معرض يقام في لبنان على ما أعتقد وذلك في صيف 1910. وأذكر دهشتي لمياه البردوني المتدفقة ومقاهيه المتعددة، وتناولنا الغداء في فندقه الوحيد، فندق القادري الذي كانت فيه أولى زياراتي للفنادق.
ولما كنا نقصد صيدا أحياناً لقضاء بضعة أيام من الربيع، كما كان يفعل الكثير من أهالي بيروت. كنا نستأجر بيتاً صغيراً بين بساتين البرتقال للاستمتاع بطيب رائحة زهره ولذة طعم ثمار الأكيدينا. وقد اشتهرت صيدا بكليهما، وكان انتقالنا إليها بواسطة عربة كبيرة، وهي أشبه بما يسمونه اليوم ستايشن، تستأجرها العائلة لهذه الرحلة، فتقف بنا في السعديات، وهي محطة جميع الذاهبين إلى صيدا والعائدين منها. وهناك ترتاح الخيول قليلاً ويتناول المسافرون طعام الغداء.

*من كتابها «جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين»