لا يحتار زائر مدينة صيدا كثيراً قبل اختيار ما سيحمله منها إلى منزله. على رأس الحلويات المختلفة التي تشتهر بصناعتها اللذيذة، يبرز اسم «السنيورة». حلوى صيداوية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتتكوّن من طحين، سكر، وسمنة. لا تختلف كثيراً عن «الغريبة» إلا في طريقة صناعتها بحسب وصف أحد العاملين في الحلويات. فما هو تاريخ هذا النوع من الحلوى، وما علاقته بعائلة السنيورة؟


عام 1840 توفي الشيخ محمد الغلاييني، وهو شيخ الطريقة الصوفية المعروفة بالطريقة الرفاعية، وخلّف وراءه طفلاً لا يتجاوز الثانية من عمره واسمه علي. نشأ الطفل في كنف عائلة والدته فاطمة، التي عرفت عائلتها بالقاضي باشي لتقلّد بعض أفرادها مناصب القضاء آنذاك. كانت فاطمة مدللة أهلها، وينادونها بالسنيورة. وصار المحيط يطلق على علي اسم ابن السنيورة، حتى شبّ وقد غلب عليه اسم ابن السنيورة وسجّل في دوائر النفوس باسم علي الغلاييني الملقب بابن السنيورة. ويبدو أنه استحسن اللقب وصار معروفاً به.
يروي أحد أبناء العائلة سامي السنيورة أن «علي نشأ تنازعه رغبتان، الأولى في متابعة التقاليد الدينية التي ورثها عن والده وصولاً إلى شيخ الطريقة الرفاعية، والثانية ابتكار صنعة يتميز بها. فابتكر عام 1859 نوعاً من الحلوى المكون من الطحين والسمن والسكر، يصنعها في المناسبات والأعياد ويقدمها هدية للأهل والأصحاب. هذه الحلوى التي عرفت بالغريبة نالت إعجاب الذواقة فألحوا عليه أن ينتجها ويبيعها للعموم، اتخذ من صناعتها حرفة له وذاع صيتها حتى بلغ إسطنبول وصارت تعرف خارج مدينة صيدا بحلوى السنيورة». وظلت هذه الصناعة حكراً على العائلة. تصنع خلف الأبواب مغلقة «وتعمل بها نساء العائلة لأنها تحتاج إلى أكف ناعمة»، كما قال نهاد منير البابا مدير أحد محال الحلويات في صيدا.
أورث الشيخ علي صناعة الحلوى إلى ولديه مصطفى وأحمد، وبدورهما أورثا المهنة لأولادهما. محمد وإبراهيم وعبد الباسط (أولاد أحمد)، ومحمود ومحمد وسعد الدين (أولاد مصطفى). وقد برع الجميع في هذه الصنعة، وبات إنتاجها يصدّر إلى البلاد العربية وبلاد المهجر. وبيعت في أفريقيا وأوروبا وانشأ أبناء أحمد محال لهم لبيع حلوى السنيورة في بيروت وحيفا الإسكندرية وذلك في فترة ما بين الحربين العالميتين واعتمدوا وكلاء لهم في البلدات والقرى اللبنانية والفلسطينية والأردنية. وشاركوا بإنتاجهم في معارض دولية، وحازوا 15 ميدالية ذهبية و15 شهادة جائزة أولى في معارض مختلفة.
في هذه الفترة، وبسبب توسع الإنتاج والتسويق، عمدوا إلى توظيف أشخاص من خارج الأسرة. تدرّبوا على يد أبناء العائلة، وصاروا تلامذة نجباء وافتتحوا في ما بعد أعمالاً خاصة بهم في مجال الحلويات، ويوضح السنيورة الأمر: «لا أغالي إذا قلت ما من صانع للحلويات في صيدا إلا وتتلمذ على يد عائلة السنيورة».
ويشير البابا إلى حديث أخبره به جده محمد بشير البابا، مؤسس حلويات البابا الممتازة، قائلاً: أخبرني جدي أنه كان صغيراً عندما أرسلته والدته إلى آل السنيورة ليتعلم الصنعة. طلبت من السنيورة تعليمه الصنعة حتى لو على حساب صحته (اللحمة إلك والعظمة إلي)». ويضيف: «لم يكن جدي وحده من عمل لدى آل السنيورة، هناك مصطفى الديماسي، طه السوسي وآل الرملاوي (أحمد وعز الدين) الذين تربطهم علاقة نسب مع السنيورة وجميع هؤلاء صاروا أصحاب محال لبيع الحلويات التي اعتمدت بداية على صناعة السنيورة». ويصف سامي السنيورة جده أحمد أنه كان «دقيقاً جداً، يحرص على السلامة الغذائية لإنتاجه، ولم يسمح لأحد بإنتاج الحلوى خارج إطار عائلته وتحت رقابته الصارمة».
لكن يبدو أن عائلة السنيورة، أقدم عائلة عملت في صناعة الحلويات في لبنان وأعطت اسمها إلى أحد منتوجاتها منذ عام 1859، تتخلى عن هذا الإرث اليوم. فبعد وفاة محمد السنيورة الذي كان قد افتتح عملاً خاصاً في مدينة جبيل ولم يبق من أبنائه من يكمل مشوار عمله، وبعد وفاة إبراهيم الذي لم ينجب، ووفاة عبد الباسط الذي انشغل أبناؤه بأمور متفاوتة أخرى، يبدو أن أحداً من العائلة لن يكمل الطريق في صناعة الحلويات. وتبقى محال لبيع الحلوى أولها في شارع رياض الصلح قرب سينما هيلتون والآخر في الشارع نفسه قرب بناية المقاصد يقصده الشارون ومعظمهم من خارج المدينة لشراء «السنيورة».