يشير أبو جلال إلى سرب الحمام المحلق عالياً قائلاً: «شايفيين الحمامات اللي قدام، هودي من فصيلة الكركندي واللي ورا من فصيلة الموصلي»، فترتسم علامات التعجب على وجوه الحاضرين من دقته وقدرته على التمييز وهم بالكاد يستطيعون رؤية السرب.

يقول أبو جلال إن الكشاشين وحدهم يستطيعون تمييز الأنواع المختلفة للحمام، ووحدهم أيضاً يقدّرون هوايتهم ولا يرون فيها كما يرى الآخرون مجرد عمل لا قيمة له. للكشاشين عالم خاص بهم وتصرفات لن يستطيع أحد فهمها ما لم يعاشرهم ويجالسهم، «فالاستيلاء على حمام الآخرين مثلا ليس سرقة موصوفة، بل جزء من معركة طويلة بينهم. أما الكذب وادعاء عدم سرقة الحمام فهذا ليس حراماً أو عيباً، فللمعركة ضرورات وأحكام».

من على سطوح منازلهم يخوض كشاشو الحمام معاركهم المحببة، فالهدف الأول لأي كشاش هو الاستيلاء على حمام غيره، فكيف تجري معركة الحمام؟
ما إن يطلق الكشاشون صافراتهم الحادة بشكل متزامن، حتى تبدأ أسراب الحمام المختلفة بالتحليق والاختلاط ببعضها بعضاً، وهنا يكمن دور الكشاش الذي عليه منع حمامه من أن تحط على سطح غيره، محاولاً في الوقت عينه جذب حمام غيره إلى سطحه وهذا ما يتطلب توافر المهارة والخبرة لكي ينجح الكشاش بمهمته. وفي نهاية النهار يحصي الكشاشون خسائرهم وغنائهم، أما مصير الحمام المستولى عليه فهو رهن العلاقة بين الكشاش الرابح من جهة والخاسر من جهة ثانية، فإذا كانا على وفاق يعيد الكشاش المنتصر الحمام إلى صاحبه مجاناً أو لقاء مبلغ مالي، وإذا كانا على خصام يقوم الكشاش بذبح الطير على مرأى من صاحبه. لكن اللافت في عملية كش الحمام هو انتشارها المكثف في الأحياء الشعبية والقرى، بينما تغيب هذه الظاهرة عن الأحياء الراقية، ويعلّق أحد الكشاشيين: «لا رح تشوفنا عم نلعب غولف وتنس، ولا رح تشوفن عم يكشو حمام».
تستغرق هذه الهواية الكثير من وقت أصحابها. عندما تضيّع إم بشير زوجها، تعلم فوراً أنه صعد إلى السطح. تمازحه: «يا محلا الضرة قدام هالحمامات، يا ريت ببطل هالشغلة، بيرتاح وبريحنا». تململ الزوجة يقابله إصرار من الزوج على التمسك بهوايته. لا ينفي أبو بشير تلقيه العديد من الدعوات لهجر عالم الحمام، لكنه يؤكد استحالة هذا الأمر، معترفاً أن التصرّفات الخاطئة لبعض الكشاشين وشجاراتهم قد تعطي صورة سلبية عن هذه الهواية، منتقداً في الوقت عينه التعميم الظالم الذي يعتبر كل الكشاشين مجموعة من الكاذبين الغشاشين.
قبل أن يدخل منزله عائداً من المدرسة، يتوجه رائد بسرعة إلى السطح للاطمئنان إلى حمامه. لم يهو ابن السادسة عشرة كرة القدم أو السلة كغيره من أبناء جيله، بل فضل هواية كش الحمام التي أخذت عقله وقلبه كما يقول. يذكر الفتى جيداً بدايته في الكش، يوم كان يقتصر دوره على مساعدة والده في إطعام الحمام وتنظيف السطح من مخلفاتهم، قبل أن يتعلم أصول الهواية وتقنياتها من أبيه الذي شجعه دوماً على متابعة الكش، ليصبح واحداً من أمهر كشاشي قريته كما يزعم.
وإذا كان كش الحمام مجرد هواية للبعض، فإنها مهنة ومورد رزق للبعض الآخر، خصوصاً مع وجود عدد كبير من المحال التي تعنى ببيع الحمام ومستلزماته. ويتراوح سعر الحمامة الواحدة بين عشرة آلاف وثلاثمئة ألف ليرة وذلك حسب نوعها، فيما يعمد كثيرون إلى شراء الحمام الصغير وتربيته وتقويته وبيعه بأضعاف الثمن. إضافة إلى ذلك تنتشر ظاهرة مقاهي الحمام التي تستقبل روّاد ومحبي هذه الهواية وهي تشبه من حيث الشكل المقاهي العادية لكنها تحتوي على أقفاص كبيرة مليئة بالحمام، وداخلها يجتمع الكشاشون لتسوية أمورهم وتنظيم خلافتهم. ويقول قاسم وهو صاحب قهوة حمام، أن شغفه بالحمام دفعه إلى إنشاء هذه القهوة ليجمع الهواية والعمل في آونة واحدة، لكن بعض مقاهي الحمام تتحول إلى صالات قمار يلعب روّادها على الحمام وليس المال.
يكفي أن تنطق داخل جلسة للكشاشين بكلمة شهادة المحكمة حتى تتبدل نظراتهم ولهجتهم، ليدور نقاش بينهم عما إذا كان الكشاشون ممنوعون من الإدلاء بالشهادة داخل المحكمة ليختم أحدهم السجال قائلاً: «خيي من الآخر... كش الحمام أولى من شهادة المحكمة ومن كل شي».