نحن أكثر من مليوني سوري، ومن بينهم أنا، لم نضايق أحداً، لم نتظاهر، لم نعتصم في الساحات، ولم نحرق إطاراً واحداً.

لن نعطل أعمالكم. بالعكس، سنصحو باكراً لكي تنهض الورش المعمارية بسواعدنا وظهورنا المتعبة. سنعمل ليلاً نهاراً لكي تنعم شوارعكم بالنظافة، وسننقل إليكم ما تعلمناه في مصانعنا الكبيرة. سنقدم لكم كتب الشعر والروايات والأدب وفرق المسرح والرقص. ألم تشاهدوا الدراما السورية؟

ألم يأتِ المخرجون والممثلون السوريون لينتجوا أعمالهم هنا؟ ألم تملأوا المسارح لتشاهدوا تَجَسُّد معاناتهم وإثبات وجودهم؟ دعونا من كل هذا، فأنا لا أكتب باسم هؤلاء، أنا ما زلت أود الكتابة إليكم «بدافع شخصي».

I


يقع بيتي قرب حديقة الصنائع، في بناية غالبية سكانها من العائلات السورية، حيث تتقارب الهموم وتتشابه المشاكل، حيث تجد من يسمعك ويفهمك. غرفة واحدة ضمن شقة كبيرة، لها جدران أربعة وسقف واحد، وكل يوم نتناقش معاً: أنا والجدران والسقف.


الجدار1: أتفهم أنك نازح، ولكن هل سيطول بك المقام هنا؟

الجدار2: أعرف أن جدرانك حيث كنت هُدّمت، ولكن، ألا تفكر بالعودة وإعادة إعمارها؟
الجدار3: يمكنني حمايتك، وستر عورتك، ولكنني لا أحتمل صراخ صاحبي كلّما رفعَ أجر السكن أو تأخرتَ أنت بالدّفع له.

الجدار4: دعك من كل هذا الهراء، يمكنك البقاء قدر ما تشاء، ولكن عليك ألا تخرج من هنا لكي لا ترى أو تسمع ما يهينك!

كالعادة أرفع رأسي إلى ذلك السقف، وكالعادة يشحب وجهه ويهز كتفيه مشيراً إلى أنه لا يستطيع فعل أيّ شيء، لأنه من دون الجدران يهبط.
- لا عليك عزيزي السقف أفهم ما تعانيه. فنحن معتادون على الأسقف التي تخاف، لأن الجدران عندنا منذ زمن طويل لها آذان!
أيضا كالعادة، لم يكن لي أيَّ دور في نقاش الجدران، فمنذ ما يزيد عن عامين، وأنا أسمع النقاش ذاته، ولا أجد ما أقوله، بل أكتفي بالشعور بالضجر ونية الخروج. حسناً أيها الباب لا تقل شيئاً. لقد حفظت وأتقنت ما علي فعله، سأتفقد أوراقي الثبوتية ما إذا كانت معي، ولن أتأخر ليلاً، لن أمشي وحيداً في الطرقات الفارغة، ولن أدخل الشوارع التي فيها مكتب أو مركز لجهةٍ أو حزبٍ معيّنين... «وأهم شي ما بفوت ب نقاش مع حدا، لأنو أصغر واحد بالبلد ممكن يشحطني عالمخفر وما حدا يطالب فيني».

* ملاحظة: «90 بالمية من الشعب اللبناني بحس انّهن بيقربوا حيطان غرفتي».