أزلت بطانياتك عنك، مضطراً للنهوض من سريرك الدافئ. تغسّلت بالماء الساخن. شربت قهوتك الدافئة. جهّزتَ نفسك للخروج، دثرتَ نفسك جيداً بأثوابك السميكة. لففتَ الشال حول عنقك؟ اعتمرتَ قبعتك. ارتديت حذاؤك العالي المبطّن؟ مهلاً، احمرّ أنفك قليلاً. يا للهول! تجمّدت الدماء في عروقك؟ أزعجتك هذه النّسمة الباردة التي تسربت إليك. تجرّأَت ولامسَتْكَ ولم تأبه حتّى لكل ما دثّرْتَ نفسَك به؟ّ يا للوقاحة! الشال و«البرنيطة» وكل تلك الثياب المكدّسة فوق جسمك، لم تكن كافية لتصدّ الهواء.


جرّب: أن نخلع القفّازات، فلننزل القبعات ونرمي شالاتنا. فلنخلع أحذيتنا، انزع معطفك السميك هذا لكن أبق ثيابك لا بأس. والآن، تعال معي، فلنخرج قليلاً، فلنقف في هذا العراء ولنتخيّل أنّه ملاذنا الأول والأخير. تخيّل أن تكون مع الرياح وجهاً لوجه، أن تصفر بأذنيك، أن تمطرك السماء بغيثها «المبارك»، هكذا مباشرة بلا سقف فوق رؤوسنا. فلنتخيّل
ولنختبر ذلك ولو لدقائق. بم تشعر؟!
«سقعة»، ممممم... نعم «سقعة» ما أقسى هذه الكلمة، ما أوحشها! فكيف بالإحساس بها، أن تعيشها وتتعايش معها!


برد...
نعم، برد. شعور حقير.
أتتخيّل؟ هناك من يختبر هذا الشعور، هذا العراء... هذه «السقعة»، ساعة بساعة. ليل نهار.
هناك من لم يجد معطفاً سميكاً ولا شالاً ولا حتّى كنزة بأكمام طويلة... صدّقْ، هناك من لا يملك حتّى نعلا يستر به قدميه! أطلت عليك؟! أترجف من البرد؟ والآن، أغمض عينيك وتخيّل:
تخيّل أنّ هناك من أغمض عينيه ولم يفتحها بعد. رجف مثلك. رجف برداً حتى الموت.