■ عُدْتِ من دبي أخيراً بعد زيارةٍ قصيرة، شاركت خلالها في افتتاح أحد مراكز التجميل الذي اختارك الوجه الإعلامي له، ما طبيعة تعاونك مع المركز؟

باتت دبي قطباً مهماً للسياحة والفنون على مستوى العالم، واختارها أحد مراكز التجميل الشهيرة لافتتاح أوّل فرع له في المنطقة العربية، واختارني وجهاً إعلامياً له، لأني أهتم بجمالي وإطلالتي، كبقيّة النساء، إضافة إلى أنّني ممثلة. ذهبت إلى هناك، واختبرت بنفسي كل ما يقدّمه، قبل أن أقرّر التعاون معه، خصوصاً أنّ العنصر الفني لديه يغلب على الجانب التجاري، وهذا يهمني كثيراً.

■ إلى أي مدى يشكّل الحفاظ على جمالك هاجساً، خصوصاً أنّك كممثلة تتعرضين طويلاً للماكياج والإضاءة؟
الحفاظ على شكلي الخارجي يعنيني كثيراً، لكنه لم ولن يتحوّل إلى هاجس. حتى الآن لم ألجأ إلى إجراءات تجميلية، ولا أعرف إن كان هذا سيحدث لاحقاً، وإن كنت مع التحسين، وليس التغيير حتماً.
تعابير الفنان هي رأسماله الحقيقي، كذلك إنّ أجمل ما في الإنسان هي خصوصيته. وإذا تشابهت الوجوه، ضاعت التفاصيل.
التأثيرات السلبية للماكياج والإضاءة لساعات طويلة أثناء التصوير أمر واقع يتعلق بطبيعة حياتنا وعملنا، ولهذا أهتم طوال الوقت بنظافة البشرة في الدرجة الأولى، واستخدام أفضل المستحضرات التي تحميها وتبقيها نضرة، إلى جانب اهتمامي بالغذاء الجيد. فأنا من محبي الفاكهة والخضار، وقبل ذلك كلّه أحافظ على الرضى الداخلي، فهو سرّ الجمال الحقيقي عند الجميع.

■ أواخر العام الفائت، أنهيت تصوير دورك في مسلسل «حارة المشرقة» (تأليف أيمن الدقر، وإخراج ناجي طعمي، وإنتاج «المؤسسة العامّة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي»)، وأديت فيه دور «شهيرة... الشهيرة»، وهي سيدّة لعوب. كيف تعاملت مع جرأة هذا الدور؟ وهل لديك مخاوف من عدم تقبل المشاهدين له؟
هذا الدور جديد جداً بالنسبة إليّ، واستمتعت بأدائه كثيراً. ينبغي للممثل أن يؤدي كل الأدوار، لكنّ الطريقة هي التي تختلف. «شهيرة» تشبه نماذج كثيرة في مجتمعاتنا، إذ لا تمتلك مناعة ضدّ الفساد، وأصبحت في النهاية تشبه الذئاب المحيطين بها. أنا بحثت عن دوافعها التي حوّلتها من إنسانة مهشّمة، لتدافع عن ذاتها بهذه الطريقة، فليس هناك إنسان شرير في المطلق، لذلك حرصت على إضفاء لمسات إنسانية على هذه الشخصية، وتلوين سلوكها، ومفرداتها بشيءٍ من الطرافة.

■ بعد «حارة المشرقة»، تجسدين شخصيّة «لمى» في مسلسل «بانتظار الياسمين» (تأليف أسامة كوكش، وإخراج سمير حسين، وإنتاج شركة ايه بي سي)، وهو أحد الأدوار الصعبة والموغلة في الوجع السوري، ما هي المرجعيّة التي تسندين إليها في أداء هذا الدور؟
مرجعيّتي هي بلادي وما يحصل فيها، والأضرار التي لحقت بالإنسان السوري من جرّاء ذلك. هذا الإنسان الذي كان آمناً في بيته، وأُجبر على اتخاذ العراء بيتاً، ولم يجع يوماً مهما بلغت درجة فقره، بينما هو جائع الآن. التقيت مراراً ببعض المهجرين الذين كانوا يطالبونني دائماً بتقديم مسلسلات تعبّر عنهم. وعملنا هذا يشبههم، ويشبهنا، فكلنا تضررنا في النهاية. رأيت كثيرات مثل «لمى»، لكن مهما قدّمنا على الشاشة، يبقَ أقل وجعاً، وإيلاماً مما يواجهه الشعب السوري، وأرجو ألا يمرّ به أي إنسان في العالم. «بانتظار الياسمين» عمل سوري إنساني جداً، يتطرّق إلى مجتمع صغير نشأ في حديقة، اجتمعت فيها نماذج لشخصيات سورية، هُجّرت من بيوتها، وذاقت المر، بل الدم، وكوّنت مجتمعاً جديداً تجتمع فيه المتناقضات الإنسانية من فساد، وإيثار، وخير، وشر. يتناول العمل الإنسان الذي أغفلته نشرات الأخبار، لعلّ رسالتنا تصل إلى العالم، مع سؤالنا لهم: لماذا فعلتم هذا بنا؟ أنتم يا من تتغنون بحقوق الإنسان، حرصتم على كل شيء، وأغفلتم الإنسان.

■ بالعودة إلى «حارة المشرقة»، علمنا أنّك اشتريت الملابس الخاصّة بشخصية «شهيرة» عند انتهاء التصوير، هل يحدث هذا مع كل الشخصيّات التي تجسّدها سلاف فواخرجي في أعمالها؟
غالباً ما يشتري الممثلون الملابس في الأعمال المعاصرة. أما في التاريخية أو تلك التي تحمل خصوصية معينة، فصنّاع العمل هم من يهتمون بتفصيلها، أو شرائها، لكنّني تعلمت أن أعطي عملي ليعطيني أكثر. لذلك، يجب أن يكون الفنان كريماً على عمله وشخصيته. عندما تحتاج الشخصية إلى أزياء كثيرة، لا أتردّد في ذلك، وأذكر أعمالاً قدّمتها، وكنت أدفع كل أجري، أو أكثر منه أحياناً لقاء الملابس، كـ«ذكريات الزمن القادم» (2003) مثلاً. ورغم أنّ «حدث في دمشق» (2013) كان تاريخياً، إلا أنني من شدّة انغماسي في شخصيّة «وداد»، طلبت من المخرج الصديق باسل الخطيب، واستأذنت مصممة أزياء العمل، بأن أصمم ملابسي، وأن تُنفّذ بإشرافي، وعلى نفقتي الشخصية، لأنّني بتّ أعرف الشخصيّة جداً، خصوصاً أنّ الأحداث تدور في الزمن الجميل (منتصف القرن الماضي)، أي في زمن السينما المصرية وأناقة النجمات التي ما زالت تبهر الأبصار حتى الآن.

تعدّ لفيلم سينمائي بعنوان «مدد» عن دمشق كتبه الصحافي سامر محمد إسماعيل


تعابير الفنان هي رأسماله، وأجمل ما في الإنسان هي خصوصيته


■ أنت النجمة الأعلى أجراً في سوريا، لكن هل تعرّضت للمساومة من جانب بعض الشركات أخيراً؟
لست من هواة التكلّم عن الأجور، حتى أنّني غير جيدة في علوم الحساب والرياضيات، لكنّني في مكانٍ لم أبلغه إلا بالجهد المضني والدموع أحياناً. يكون الأجر جزءاً من التقدير المعنوي، قبل المادي. وهذا له أسباب كثيرة وصعبة، وأقول دائماً الحمد لله، وما يعنيني هو طموحي، وسعيي الدائم نحو الأفضل فنياً، والتعلّم طوال الوقت، والاجتهاد واحترام كل مَنْ حولي. وأشعر بأنّه ما زال أمامي الكثير. رغم هذا، نعم نتعرّض أحياناً للبازار نوعاً ما من جانب مَن يعتقدون أنّ ما يقومون به شطارة، ولا يدركون أنهّم يخسرون، ولا سيّما إذا كان فناناً حقيقياً ولديه حساسية تفوق أي إنسان آخر. وهنا من المهم جداً التعامل مع منتج فنان وصاحب مشروع حقيقي، وهاتان الصفتان لا تتعارضان مطلقاً مع كون المنتج تاجراً. الدراما هي صناعة، ولا بد من أن تسوَّق جيداً، وتحقق أرباحاً لضمان استمرارية العمل الفني. في مصر حيث التقاليد الفنية راسخة، معظم المنتجين فنانون، ويعرفون تماماً القيمة التي يحملها الممثل. وبحسب تجربتي هناك، لا أعتقد أنّ الممثلين يمكن أن يخضعوا لهذا البازار. أما في سوريا، فللأسف من النادر أن تلتقي منتجين مماثلين، أو مديري شركات إنتاج، فكثيرون منهم لا يدركون أنّ الإنتاج فن قائم بذاته، ودراسة مستقلة، وليس المنتج فقط هو مَن يدفع المال.

■ كانت لك إطلالات سينمائية مكثفة خلال فترة الحرب، إذ قدّمت خلال السنوات الثلاث الماضية أربعة أفلام، ثلاثة منها من بطولتك («مريم»، و«الأم»، و«بانتظار الخريف»)، والرابع «رسائل الكرز» حمل توقيعك كمخرجة للمرّة الأولى في مسيرتك الفنيةّ. هل يمكن السينما السورية أن تكون أفضل حالاً مقارنةً بالدراما التلفزيونية اليوم؟
تبقى السينما أبقى، ووثيقة خالدة لا يعادل جماليتها شيء، لكنّها للأسف لم تتجاوز نجاح الدراما التلفزيونية في سوريا، وهذا محبط ﻷنّ الكوادر البشرية والمادية التي أنجحتها قادرة على إنجاح الأعمال السينمائية السورية. قد نتفاءل نوعاً ما خلال السنوات الأخيرة بزيادة عدد الأفلام المنتجة سنوياً، لكن هذا لا يخرجها من كونها تجارب، وليست صناعة بما لهذه الكلمة من معانٍ. أرى نفسي وأحبّها أكثر في السينما، وأبدو متعطشة دائماً للعمل فيها كممثلة وكمخرجة، وأتمنى أن تلاقي تجربتي الإخراجية الأولى النجاح، وتحقق الرسالة المقصودة.

■ سمعنا أنّك تعدّين لفيلمٍ جديد بعنوان «مدد» عن نص للكاتب الصحافي سامر إسماعيل، ما الذي سيتناوله الفيلم، ومتى سيبدأ التصوير؟
«مدد» هو فيلم عن دمشق وأهلها، عن سيناريو رائع للصديق سامر محمد إسماعيل، وأتمنى أن يحالفني الحظ خلال الأشهرالقليلة المقبلة للبدء في التصوير. الفيلم صعب على أكثر من صعيد، ويخترق جدار المحرّمات الثلاثة: السياسة، والدين والجنس، لتبقى دمشق وحدها هي المدينة المُحرّمة.

■ أربع سنوات من الحرب في سوريا، تشتد وطأتها بمرور الساعة. كيف تتلقين أخبار ما يحدث في البلاد اليوم؟
ما دام هناك دم سوري يراق، وأمّ تبكي أولادها، فأنا لست بخير والوجع يسكنني. لكن تبقى ثقافتي السورية تدفعني إلى الحياة، والأمل، والحقيقة، والتفاؤل، لا ثقافة الموت التي تشبههم. أما نحن، فحتى موتنا هو حياة جديدة، ﻷنّه طريقنا للكرامة فقط.

■ هل ما زالت مواقفك السياسية الواضحة موضع جدل كما السابق؟
مواقفي ليست سياسية، بل وطنية، بصفتي ابنة تربّت على الانتماء إلى الوطن قبل كل شيء. ومواطنة كبقية شعبي، أخذت كامل حقوقي (في التعليم المجاني، والتأمين الصحيّ، وغيرهما) وعاشت في بلد لا يتكلم بأديان وطوائف، تحكمه المؤسسات، وسيادة الدولة اللتين تحميان سوريا لجعلها بلداً مترابطاً، ومنتجاً، وغير مدين، ومن الأكثر أمناً على الإطلاق. عشت في بلد يحترم النساء، ولا يعنفهنّ، ويوليهن زمام اﻷمور، وكأمّ تربي أولادها، وتعلمهم أنّه كما كان التاريخ هنا، فالمستقبل هنا، وليس في مكان آخر، وأنكم أنتم من سيعود بسوريا كما كانت وأفضل، فإن ذهبتم أنتم وغيركم، فمَن سيبقى ليعيد بناء بلادنا؟ عشت فنانة لم يبخل بلدها على الفن وأهله، بمن فيهم العرب. الدولة التي تحترم الفن، تُحترم. أخذنا منها كل هذه الحقوق فكيف أخذلها، ولا أقوم بواجباتي تجاهها، وأنفصل كفنانة عن كوني مواطنة؟ وأي فن من دون وطن؟ كيف أكون حرّة إن لم يكن لدي رأي وموقف؟ كيف أصمت وبلدي يحترق، أو أنتظر من سيفوز لأحدّد موقفي، وأكون بذلك أعين الباطل على الحق؟

■ ماذا عن المحطّات العربية؟ هل أصبحت أكثر تكيّفاً مع مواقفك؟
أنا لم ألق من المحطات والقائمين عليها إلا كل التقدير والاحترام. كثيرون كانوا يتواصلون دائماً، ويحيّونني على موقفي، ويعربون عن تأييدهم له، ويبدون أسفهم لعدم استطاعتهم إيضاح مواقفهم هذه في بلادهم. وهناك من خالفني الرأي لكنّهم أكدوا أنّهم لا يملكون إلا الاحترام، ومنهم أيضاً مَن تغيّرت آراؤهم بالمطلق بعدما فهموا واستوعبوا وذاقوا ربما بعضاً من الخراب الحاصل. هكذا، امتلكوا جرأة الاعتراف بالفهم الخاطئ، إلى حد الظلم أحياناً، ويكفيني شرفاً أنّني لم أغادر سوريا قطّ، ولم أغفل عن الحقيقة بقرار، ولم أصحُ لمصلحة.

■ في مقابلة ضمن برنامج «واحد من الناس» مع الإعلامي المصري عمرو الليثي على قناة «الحياة» المصرية، قلت بما معناه إنّ قرار الاعتزال وارد في حساباتك، لماذا؟
قلت حينها إنّني أفكر بالاعتزال في وقت من الأوقات، وقد لا يكون بعيداً، وتابعت مستدركة بما معناه أنّني ربما قلتُ هذا الكلام الآن، وأنا في هذا العمر من دون أن أدري ماذا سيحدث لاحقاً، فالوسواس الفنّي الذي يسكن الفنّان هو الذي يحكم، باعتباره الأقوى، والله أعلم.

■ ماذا بعد «بانتظار الياسمين»، و«مدد»؟
دائماً هناك مدد من الياسمين.